بلغت إسبانيا نهائي كأس العالم 2026 بعدما قدّمت أداءً متوازنًا وأقصت فرنسا بثنائية نظيفة، مؤكدةً أحقيتها ببطاقة العبور. فيما تتجه الأنظار الساعة 22:00 مساء الأربعاء بتوقيت بيروت، إلى ملعب أتلانتا حيث يتجدد أحد أكثر الصدامات التاريخية إثارةً في كأس العالم، عندما تلتقي الأرجنتين حاملة اللقب مع إنكلترا في نصف النهائي.
واصل المنتخب الإسباني عروضه القوية في كأس العالم، ونجح في بلوغ المباراة النهائية بعدما أطاح نظيره الفرنسي بهدفين نظيفين في مواجهة نصف النهائي التي احتضنها دالاس ستيديوم، ليؤكد منتخب "لا روخا" أنه أحد أبرز المرشحين لاعتلاء منصة التتويج واستعادة اللقب العالمي الغائب منذ نسخة جنوب أفريقيا عام 2010.
ودخل المنتخبان المباراة وسط ترقب كبير، إذ حملت المواجهة طابعًا خاصًا بين اثنين من أقوى المنتخبات في العالم، لكن الكلمة الفصل كانت لإسبانيا التي فرضت شخصيتها منذ الدقائق الأولى، ونجحت في التفوق تكتيكيًا على المنتخب الفرنسي بقيادة المدرب ديدييه ديشان، لتستحق بطاقة العبور إلى النهائي عن جدارة.
واعتمد المدرب لويس دي لا فوينتي على تنظيم دفاعي متماسك، إلى جانب الاستحواذ على الكرة والضغط العالي، ما قلص من خطورة فرنسا، التي راهنت بشكل أساسي على سرعة كيليان مبابي والانطلاقات السريعة في الهجمات المرتدة. وعلى الرغم من البداية المتوازنة، نجح الإسبان تدريجيًا في فرض إيقاعهم على مجريات اللقاء، وبدأوا تهديد مرمى الحارس مايك مينيان.
وكاد لامين يامال، الذي احتفل بعيد ميلاده التاسع عشر قبل يوم واحد من المباراة، أن يمنح منتخب بلاده التقدم مبكرًا، بعدما سبق المدافع لوكاس ديني إلى الكرة داخل منطقة الجزاء، قبل أن يتعرض للعرقلة، ليحتسب الحكم ركلة جزاء بعد العودة إلى تقنية الفيديو.
وتقدم ميكيل أويارزابال لتنفيذ الركلة بثقة كبيرة، وأرسل الكرة إلى الشباك في الدقيقة الثانية والعشرين، مانحًا إسبانيا أفضلية مستحقة بعد فترة من السيطرة والاستحواذ، في وقت بدا فيه المنتخب الفرنسي عاجزًا عن صناعة الفرص الحقيقية أو اختراق المنظومة الدفاعية الإسبانية.
ومع انطلاق الشوط الثاني، واصل الإسبان الضغط، رافضين الاكتفاء بالتقدم بهدف واحد، ليأتي الهدف الثاني في الدقيقة الثامنة والخمسين بعد واحدة من أجمل الهجمات في اللقاء. وتبادل بيدرو بورو الكرة مع داني أولمو، قبل أن ينفرد بالمرمى ويضع الكرة ببراعة في الزاوية السفلى، مؤكدًا تفوق "لا روخا" ومقرّبًا منتخب بلاده من النهائي.
وأمام تأخره في النتيجة، حاول ديدييه ديشان إنعاش الخط الأمامي بإجراء عدة تبديلات هجومية، فأشرك ديزيريه دوي وريان شرقي بدلًا من برادلي باركولا ومايكل أوليسيه، على أمل استعادة زمام المبادرة وتقليص الفارق، إلا أن الدفاع الإسباني بقيادة إيمريك لابورت وباو كوبارسي واصل تقديم أداء مميز، في حين لعب الحارس أوناي سيمون دورًا بارزًا في الحفاظ على نظافة شباكه، بعدما تعامل بثقة مع الكرات الطويلة والعرضيات، وأغلق جميع المنافذ أمام الهجوم الفرنسي.
وفي الدقائق الأخيرة، كثفت فرنسا محاولاتها للعودة إلى المباراة، لكن المنتخب الإسباني حافظ على هدوئه وانضباطه التكتيكي حتى أطلق الحكم صافرة النهاية، معلنًا تأهل إسبانيا إلى النهائي، فيما ودعت فرنسا البطولة بعدما عجزت عن تقديم مستواها المعتاد في واحدة من أهم مباريات المونديال.
وسيواجه المنتخب الإسباني في المباراة النهائية الفائز من مواجهة الأرجنتين وإنكلترا، على أن يحتضن نيويورك/نيو جيرسي ستيديوم المشهد الختامي الأحد المقبل، حيث يطمح الإسبان إلى إحراز لقبهم العالمي الثاني بعد الإنجاز التاريخي الذي حققوه في مونديال 2010.
وعقب نهاية اللقاء، اختير بيدرو بورو أفضل لاعب في المباراة، بعدما قدم أداءً لافتًا على المستويين الدفاعي والهجومي، وتوج مجهوده بتسجيل الهدف الثاني الذي قضى عمليًا على آمال المنتخب الفرنسي في العودة.
وشهدت المباراة أيضًا إنجازًا شخصيًا جديدًا لميكيل أويارزابال، الذي واصل تألقه بقميص المنتخب الإسباني، بعدما رفع رصيده إلى 18 هدفًا في آخر 20 مباراة خاضها مع "لا روخا". كما جعلته ركلة الجزاء التي سجلها سادس لاعب في تاريخ المنتخب الإسباني يصل إلى حاجز 30 هدفًا دوليًا، لينضم إلى قائمة تضم دافيد فيا (59 هدفًا)، راوول (44)، فرناندو توريس (38)، ألفارو موراتا (37)، ودافيد سيلفا (35).
قالوا بعد المباراة
وأكد مدرب إسبانيا لويس دي لا فوينتي، عقب المباراة، أن التأهل جاء ثمرة مشروع بدأ قبل نحو أربع سنوات، مشيرًا إلى أن المنتخب حافظ على هويته وأسلوبه حتى وصل إلى هذه المرحلة. وقال: "واجهنا أحد أفضل المنتخبات في العالم، لكنه واجه أفضل منتخب في العالم. لاعبونا يستحقون كل الإشادة، فهم يثبتون يومًا بعد يوم التزامهم وروحهم الجماعية وقدرتهم على جعل الأمور الصعبة تبدو سهلة".
من جهته، أعرب بيدرو بورو عن سعادته الكبيرة بالتأهل، معتبرًا أن بلوغ النهائي يفوق كل أحلامه، وقال: "قدمنا مباراة رائعة، وكنا ندرك قوة المنتخب الفرنسي، لكننا نفذنا المطلوب بأفضل صورة. هذا الإنجاز يعود إلى الفريق بأكمله، وكل لاعب ساهم في الوصول إلى هذه اللحظة".
في المقابل، لم يخفِ مدرب فرنسا ديدييه ديشان خيبة أمله بعد الخروج، معترفًا بأفضلية المنتخب الإسباني. وقال: "كنا نملك طموحات كبيرة، لكننا لم نقدم المستوى الفني الذي اعتدناه. ارتكبنا أخطاء في التمرير، ولم ننجح في صناعة الخطورة الهجومية المطلوبة. في مثل هذه المباريات، أي تراجع في المستوى يكون ثمنه باهظًا، وإسبانيا استحقت الفوز".
إنكلترا والأرجنتين... صدام تاريخي جديد
تتجه أنظار عشاق كرة القدم إلى ملعب أتلانتا، حيث يتجدد أحد أكثر الصراعات الكروية إثارة في تاريخ كأس العالم، عندما يلتقي المنتخبان الإنكليزي والأرجنتيني في مواجهة مرتقبة لحسم هوية الطرف الثاني في النهائي. ولا تقتصر أهمية المباراة على قيمتها الفنية فحسب، بل تحمل أيضًا إرثًا تاريخيًا حافلًا بالمواجهات التي صنعت بعضًا من أشهر لحظات المونديال، ما يمنحها طابعًا استثنائيًا يتجاوز حدود المنافسة الرياضية.
ويخوض المنتخب الإنكليزي المواجهة باحثًا عن بلوغ النهائي للمرة الثانية فقط منذ تتويجه التاريخي بلقب كأس العالم عام 1966، بعدما أخفق في تجاوز عقبة نصف النهائي في نسختي 1990 و2018. أما الأرجنتين، حاملة اللقب، فتطمح إلى مواصلة حملة الدفاع عن كأس العالم، وكتابة فصل جديد في تاريخها عبر الاقتراب من الاحتفاظ باللقب للمرة الأولى منذ إنجاز البرازيل عام 1962.
وقدم منتخب "الأسود الثلاثة" مشوارًا قويًا في البطولة الحالية، إذ استهل منافسات المجموعة الثانية عشرة بفوز مثير على كرواتيا بنتيجة 4-2، قبل أن يتعادل سلبًا مع غانا، ثم يحسم صدارة المجموعة بانتصاره على بنما بهدفين نظيفين.
وأثبتت كتيبة المدرب الألماني توماس توخيل قدرتها على التعامل مع المباريات الصعبة في الأدوار الإقصائية، بعدما قلبت تأخرها إلى فوز على جمهورية الكونغو الديموقراطية في الدور الـ32، ثم أقصت أحد مضيفي البطولة، المنتخب المكسيكي، في مباراة لعب خلالها الإنكليز بعشرة لاعبين لفترة طويلة، قبل أن يواصلوا عروضهم القوية في ربع النهائي، حيث عادوا من التأخر ليهزموا النرويج 2-1 بعد التمديد، بفضل ثنائية جديدة للنجم المتألق جود بيلينغهام.
في المقابل، واصلت الأرجنتين تقديم مستويات مميزة في رحلة الدفاع عن اللقب. واستهل منتخب المدرب ليونيل سكالوني مشواره بفوز كبير على الجزائر بثلاثية نظيفة سجلها ليونيل ميسي، ليعادل حينها الرقم القياسي للهداف التاريخي لكأس العالم، قبل أن ينفرد به لاحقًا.
ولم يتوقف تألق القائد الأرجنتيني عند ذلك، إذ واصل التسجيل في الانتصارين على النمسا والأردن، قبل أن يقود منتخب بلاده إلى تجاوز الرأس الأخضر 3-2 بعد التمديد في الدور الثاني والثلاثين، ثم الفوز بالنتيجة نفسها على مصر في الدور السادس عشر. وفي ربع النهائي، احتاجت الأرجنتين إلى شوطين إضافيين للمباراة الثانية تواليًا، قبل أن يحسم خوليان ألفاريز ولاوتارو مارتينيز المواجهة أمام سويسرا بنتيجة 3-1، ليقودا "لا ألبيسيليستي" إلى نصف النهائي.
وتأمل إنكلترا كسر عقدة نصف النهائي، بعدما خرجت من هذا الدور أمام ألمانيا الغربية بركلات الترجيح في مونديال 1990، ثم خسرت أمام كرواتيا بعد التمديد في نسخة روسيا 2018. ويقود هاري كين المنتخب الإنكليزي للمرة الثانية في نصف النهائي، بعدما سبق له أن توج هدافًا لنسخة 2018، ويبدو اليوم من أبرز المرشحين للفوز بالحذاء الذهبي مجددًا.
ولا يعتمد المنتخب الإنكليزي على قائده وحده، إذ يشكل جود بيلينغهام أحد أبرز نجوم البطولة، بعدما سجل ستة أهداف، وهو الرصيد نفسه الذي يملكه كين، ليصبح الثنائي أول لاعبين من منتخب واحد يسجل كل منهما ستة أهداف في نسخة واحدة من كأس العالم. كما ساهم ماركوس راشفورد بهدف، بينما لعب كل من بوكايو ساكا وأنتوني غوردون دورًا بارزًا في الصناعة، بعدما قدم كل منهما ثلاث تمريرات حاسمة.
أما المنتخب الأرجنتيني، فيدخل اللقاء وهو يحمل سجلًا مثاليًا في الدور نصف النهائي، إذ نجح في بلوغ المباراة النهائية في جميع مشاركاته الخمس السابقة في هذا الدور. وكان ليونيل ميسي عنصرًا حاسمًا في آخر ظهورين للأرجنتين، بعدما سجل أولى الركلات الترجيحية في الفوز على هولندا عام 2014، ثم افتتح التسجيل في الانتصار على كرواتيا بثلاثية نظيفة في نصف نهائي مونديال 2022.
وعلى الرغم من استمرار ميسي في قيادة الخط الأمامي، فإن قوة المنتخب الأرجنتيني لا تقتصر على نجمه الأول، إذ سجل سبعة لاعبين آخرين أهدافًا خلال البطولة، بينما نجح ثمانية لاعبين مختلفين في صناعة الأهداف، في مؤشر واضح إلى التنوع الهجومي الذي يتمتع به الفريق.
وعلى المستوى الدفاعي، يواصل الثنائي كريستيان روميرو وليساندرو مارتينيز تقديم مستويات ثابتة في قلب الدفاع، بينما يحافظ الحارس إيميليانو مارتينيز، المتوج بالقفاز الذهبي في نسخة 2022، على حضوره المميز، بعدما لعب دورًا حاسمًا في أكثر من مباراة خلال البطولة.
وتحمل مواجهات المنتخبين في كأس العالم تاريخًا طويلًا من الإثارة والندية. فقد التقيا خمس مرات سابقًا، حققت خلالها إنكلترا ثلاثة انتصارات مقابل فوزين للأرجنتين.
وفازت إنكلترا في أول مواجهتين خلال نسختي 1962 و1966، لكن المواجهة الأشهر جاءت في ربع نهائي مونديال 1986، عندما قاد دييغو مارادونا منتخب بلاده إلى الفوز بهدفين، أحدهما سجله بيده في اللقطة الشهيرة المعروفة بـ"يد الله"، والآخر بعد واحدة من أعظم المراوغات في تاريخ اللعبة.
وتجدد اللقاء في ثمن نهائي كأس العالم 1998، في مباراة لا تزال محفورة في ذاكرة الجماهير، بعدما شهدت هدفًا رائعًا لمايكل أوين، وطرد ديفيد بيكهام إثر احتكاكه مع دييغو سيميوني، قبل أن تحسم الأرجنتين المواجهة بركلات الترجيح.
أما آخر مواجهة بينهما في المونديال فكانت في دور المجموعات عام 2002، حين نجح ديفيد بيكهام في الثأر لخسارة 1998، بعدما سجل هدف الفوز الوحيد من ركلة جزاء، ليقود إنكلترا إلى انتصار أسهم في خروج الأرجنتين من الدور الأول للمرة الأولى منذ أربعة عقود.