ثمة رياضتان في لبنان تحظيان باهتمام شعبي واسع، وقادرتان على استقطاب حشود جماهيرية تتناسب مع أهميتهما وحضورهما على الساحة الرياضية العالمية، هما كرة القدم وكرة السلة. أما كرة القدم، فلا شك في أنها الرياضة الأولى التي لا تستطيع أي رياضة أخرى منافستها، سواء على صعيد الشعبية أو القدرة على حشد الجماهير، وليس لبنان بعيدا عن هذا الواقع.
وبما أنها الرياضة الأولى في لبنان، فمن البديهي أن تحظى باهتمام الدولة والجهات المعنية بالشأن الرياضي، لا سيما البلديات التي تقع على عاتقها مسؤولية أساسية في تأهيل المنشآت والبنى التحتية الرياضية الواقعة ضمن نطاقها، وصيانتها وتطويرها، وفي مقدمها الملاعب المخصصة لكرة القدم.
إلا أن من يعاين الواقع المزري الذي وصل إليه ملعبا بيروت البلدي وصيدا البلدي، لا بد أن تصيبه الصدمة إزاء ما آلت إليه حال ملعبين كلف بناؤهما ملايين الدولارات خلال فترة حكم الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
وهنا يبرز دور البلديات ومدى تقاعسها عن تحمل مسؤولياتها في رعاية هذه الصروح الرياضية وصيانتها، بعدما تحولت إلى منشآت معطلة ومهجورة، كما هي الحال في ملعبي بيروت وصيدا.
وفي المقابل، يبرز دور المؤسسة العامة للشباب والرياضة التي لم تأل جهدا في الاضطلاع بمسؤولياتها تجاه عدد من المنشآت الرياضية، وفي مقدمها مدينة كميل شمعون الرياضية وملعب طرابلس البلدي، اللذان شهدا تحسينات عدة، على الرغم من الإمكانات المادية المحدودة والمتواضعة.
عن واقع ملعبي بيروت البلدي وصيدا البلدي تحدث رئيس مجلس إدارة والمدير العام للمؤسسة العامة للمنشآت الرياضية والشبابية والكشفية الدكتور ناجي حمود، مؤكدا أن المؤسسة تعمل، على الرغم من محدودية إمكاناتها، على إعادة تشغيل المنشآت الرياضية الواقعة تحت صلاحيتها، وفي مقدمها مدينة كميل شمعون الرياضية وملعب طرابلس البلدي. وشدد على ضرورة إيلاء البنى التحتية الرياضية في لبنان اهتماما أكبر.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن مدينة كميل شمعون الرياضية أصبحت جاهزة لاستقبال المباريات، مشيرا إلى أن العمل بدأ للتحضير لزراعة العشب الشتوي في أرضيتها. كما لفت إلى أن ملعب طرابلس البلدي شهد تحسينات عدة، وأن أرضيته أصبحت بحالة جيدة، فيما يُعمل على تأمين المياه والكهرباء للمرافق التابعة له، مشيرا إلى أن المؤسسة تنتظر مساعدة الهيئة العليل للإغاثة لإزالة الخيمة الحديدية الموجودة في ملعب طرابلس، باعتبار أنها غير قابلة للإصلاح وتشكل خطرا على السلامة العامة. وأوضح أن إزالة الخيمة ستتيح للملعب استكمال جهوزيته لاستقبال المباريات المحلية.
وفي ما يتعلق بملعب بيروت البلدي، قال حمود إنه حاول أكثر من مرة التواصل مع محافظ بيروت القاضي مروان عبود ورئيس البلدية المهندس إبراهيم زيدان من أجل المساعدة في إعادة تأهيل الملعب وتشغيله، متحدثا عن استعداد المؤسسة للمساهمة في تأمين التمويل اللازم، على أن يبقى الملعب تحت إدارة البلدية وألا يوضع تحت إدارة أي طرف سياسي أو جمعية أو ناد.
وتابع: قلنا لهم إننا قادرون على تأمين التمويل، وهو مبلغ قليل جدا، وإعادة تأهيل الملعب خلال فترة قصيرة لا تتعدى الـ 4 أشهر، ثم نسلمه إلى البلدية لتديره وتستفيد منه الناس، مستغربا استمرار المماطلة في هذا الملف. وأشار إلى أن المسؤولين يكررون الحديث عن تشكيل لجان لدراسة الموضوع، فيما المطلوب، بحسب تعبيره، اتخاذ قرار والمباشرة بالعمل.
ولفت حمود إلى أن تلزيم ملعب بيروت البلدي يؤدي إلى ارتفاع كلفة إعادة تأهيله. وقال: على سبيل المثال إن المشروع الذي يمكن إنجازه اليوم بمبلغ خمسة آلاف دولار قد تصل كلفته لاحقا إلى مليون دولار.
وفي شأن ملعب صيدا البلدي، أوضح أنه لم يتواصل مع بلدية المدينة لعدم وجود تواصل مباشر له مع مسؤوليها، مؤكدا، في الوقت نفسه، أن المؤسسة مستعدة للمساعدة في حال طلب منها ذلك. وشدد على أن من غير المقبول أن تبقى ملاعب أنشأها الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكلفت ملايين الدولارات في هذه الحالة.
وتطرق حمود إلى وضع المنتخب اللبناني لكرة القدم، معتبرا أن نتائج المنتخب خارج لبنان تتأثر بالفارق الكبير بين الملاعب التي يخوض عليها مبارياته محليا والملاعب التي يواجه عليها منتخبات أخرى. وقال إن اللاعبين يخوضون مبارياتهم في لبنان على أرضيات من العشب الاصطناعي وفي ملاعب صغيرة نسبيا، بينما يواجهون خارج البلاد منتخبات تلعب على أرضيات من العشب الطبيعي وفي ملاعب ذات مساحات أكبر، ما يجعل الفارق واضحا.
وأشار إلى أن هذه الظروف تؤثر أيضا في مستوى اللاعبين الأجانب الذين قد لا يفضلون اللعب مع أندية لبنانية بسبب طبيعة الملاعب، معتبرا أن كثرة الإصابات التي يتعرض لها اللاعبون ترتبط، في جزء منها، بأرضيات الملاعب وظروف التدريب.
وأوضح حمود أن وزارة الشباب والرياضة هي وزارة الوصاية على المؤسسة العامة للمنشآت الرياضية والشبابية والكشفية، التي يرأس مجلس إدارتها ويديرها، مشيرا إلى أن الإمكانات المالية المتوافرة لديها محدودة جدا. وقال إن الدولة خصصت لملعب طرابلس الأولمبي مبلغ 15 ألف دولار للصيانة، فيما خصصت لمدينة كميل شمعون الرياضية 50 ألف دولار سنويا، مؤكدا أنه على الرغم من ذلك "نعمل باللحم الحي" من أجل إبقاء المنشآت الرياضية قادرة على العمل.
وشدد على أن تطوير البنى التحتية الرياضية مسؤولية الدولة ككل، وليس وزارة الشباب والرياضة وحدها، مؤكدا ضرورة الالتفات إلى هذا القطاع، باعتبار أن الملاعب والمنشآت الرياضية تشكل أساسا لأي تطور في الرياضة اللبنانية.
وردا على سؤال حول احتمال وجود تأثير سياسي على ملف ملعب بيروت البلدي، قال حمود إنه لا يعتقد أن أي طرف سياسي يمكن أن تكون له مصلحة في إبقاء ملعب خارج الخدمة لنحو 12 عاما، متسائلا عن الفائدة من استمرار تعطيله. وأشار إلى أن الخلافات السياسية التي ربما حالت في مراحل سابقة من دون تسليم الملعب إلى جهة معينة لا تبرر استمرار تعطيله، داعيا البلدية إلى اتخاذ القرار اللازم لإعادة تشغيله.
وأكد أن المؤسسة مستعدة للمساعدة تطوعا، وقال: أعطوني إياه 3 أو 4 أشهر وأنا أعيد تأهيله، معتبرا أن أبناء بيروت والرياضة اللبنانية يستحقون أن يعود الملعب البلدي إلى الخدمة.
وتبقى الرياضة المتنفس الأوحد للبنانيين، ولا سيما الفئة الشابة، في ظل الأزمات المتلاحقة التي يعيشها لبنان، وفي مقدمتها الحروب والأزمة الاقتصادية. ومن هنا، فإن تطوير المنشآت الرياضية وتأهيلها وفقا للمعايير العالمية، بما يوفر الظروف الملائمة والراحة للاعبين والجمهور على حد سواء، هو أبسط ما يمكن للمسؤولين عن القطاع الرياضي القيام به. وعليه، لا يمكن مطالبة منتخب لبنان لكرة القدم بتحقيق النتائج المرجوة، في وقت يتدرب لاعبوه ويخوضون مبارياتهم على ملاعب لا تستوفي في كثير من الأحيان المقاييس الدولية التي يواجهونها خارج لبنان.