في وقت تتكثف الاتصالات السياسية لاستكمال التعيينات في عدد من المحافظات، يبرز ملف محافظ بيروت في واجهة المشهد، مع تداول أسماء لخلافة القاضي مروان عبود، بينها المحامي عصام الخوري، إلى جانب مرشحين آخرين، من بينهم قاضيان.
في وقت تتكثف الاتصالات السياسية لاستكمال التعيينات في عدد من المحافظات، يبرز ملف محافظ بيروت في واجهة المشهد، مع تداول أسماء لخلافة القاضي مروان عبود، بينها المحامي عصام الخوري، إلى جانب مرشحين آخرين، من بينهم قاضيان.
ويأتي ذلك في سياق مساعي رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لحسم سلة من التعيينات، وسط نقاش حول حدود دور رئيس الجمهورية ووزير الداخلية ورئيس الحكومة في اختيار المحافظين، وما إذا كان منصب محافظ بيروت يخضع عرفًا لتوزيع طائفي محدد، رغم عدم وجود نص قانوني يفرض طائفة بعينها.
وبينما تتعدد الأسماء المطروحة، يطرح التعيين المقبل أسئلة تتجاوز الجانب الإداري إلى الأبعاد السياسية والطائفية للمنصب، ومعايير الاختيار بين الكفاءة والتوازنات.
وفي قراءة قانونية ودستورية لملف تعيين المحافظين، ولا سيما محافظ بيروت، وآلية التعيين وحدود دور كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومجلس الوزراء، إلى جانب الأعراف الطائفية التي تحيط بهذا المنصب، قال وزير الداخلية الأسبق المحامي زياد بارود إن تعيين محافظ بيروت المقبل لا يمكن اختزاله في الجانب الإداري، ولا فصله عن الاعتبارات السياسية والطائفية المرتبطة بهذا الموقع، موضحًا أن المحافظين من موظفي الفئة الأولى، وأن تعيينهم يتم بقرار من مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين، وفقًا للمادة 65 من الدستور.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن دور رئيس الجمهورية يبقى أساسيًا في هذا الملف، انطلاقًا من موقعه رئيسًا للدولة، ومن العادة التي تكرست بأن يكون له دور في اختيار شاغلي المناصب الرفيعة فيها، موضحًا أن المحافظ هو أرفع موظفي الفئة الأولى في المنطقة التي يتولاها، ويتقدم، بحسب القانون، على سائر موظفي الفئة الأولى فيها.
ولفت بارود إلى أن تغيير المحافظين مع بداية كل عهد ليس بالضرورة مؤشرًا إلى وجود مشكلة لدى المحافظ الذي يجري استبداله، أو إلى كونه موضع مساءلة، إذ إن المداورة أو التغيير في المواقع القيادية، ومنها مواقع المحافظين، أمر طبيعي مع بداية العهود، مشيرًا إلى أن القانون يتيح تعيين المحافظ من داخل الملاك الإداري، عبر تعيين موظف من الفئة الثانية ومن الدرجات الثلاث العليا، ورفعه إلى الفئة الأولى وتعيينه محافظًا، كما يتيح تعيينه من خارج الملاك الإداري، ضمن شروط محددة، أبرزها ألا يتجاوز عدد المعينين من خارج الملاك ثلث المراكز الشاغرة.
واعتبر أن طرح رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أسماء لهذا المنصب أمر طبيعي، لكن التوافق النهائي يتم مع رئيس الحكومة ضمن مجلس الوزراء، باعتبار أن المحافظ يعين بقرار من المجلس وبأكثرية الثلثين.
وفي ما يتعلق بالطابع السياسي للتعيين، قال إن المحافظ يشغل موقعًا متقدمًا بين موظفي الفئة الأولى، ولذلك فإن تعيينه هو، بطبيعته، تعيين سياسي، لكن ضمن شروط قانونية وإدارية واضحة، مشددًا، في المقابل، على أن القانون لا يحدد انتماء طائفيًا معينًا لمحافظ بيروت أو لأي محافظ آخر، ومشيرًا إلى أن قانون التنظيم الإداري لعام 1959 لا يتضمن أي نص يربط منصب المحافظ بطائفة محددة.
وأوضح أن الشرط الطائفي غير موجود في القانون، فيما يفرض القانون شرطًا آخر يتعلق بعدم انتماء المحافظ إلى المحافظة التي يتولى منصب المحافظ فيها، فلا يمكن، مثلًا، تعيين محافظ لبيروت من أبناء بيروت، أو محافظ لجبل لبنان من أبناء المحافظة نفسها. وأضاف أن القانون يشترط كذلك أن يكون المحافظ من حملة الإجازة في الحقوق أو ما يعادلها.
ولفت بارود إلى أن ثمة عرفًا مستقرًا عمليًا في توزيع مناصب المحافظين طائفيًا، ومنه أن يكون محافظ بيروت من الطائفة الأرثوذكسية، ومحافظ جبل لبنان من الطائفة السنية، ومحافظ الشمال من طائفة الروم الملكيين الكاثوليك، ومحافظ بعلبك–الهرمل من الطائفة العلوية، مؤكدًا أن هذا التوزيع ليس نصًا قانونيًا، لكنه عرف قوي عمليًا، جرى احترامه بصورة عامة رغم عدم إيراده في القوانين والأنظمة.
وعن هوية خلف القاضي مروان عبود، وما إذا كان اختيار المحافظ المقبل لبيروت سيشكل تعيينًا إداريًا بحتًا أم يحمل دلالات سياسية وطائفية تتجاوز المنصب، اعتبر بارود أن الأمر هو "مزيج من الاثنين"، مرجحًا حصول توافق حول الاسم الذي سيجري اختياره، ومشددًا على أن هذا النوع من التعيينات لا يفرض فرضًا.
وقال إن الرئيس جوزاف عون ليس في وارد فرض اسم معين، بقدر حرصه على التشاور مع رئيس الحكومة نواف سلام، معتبرًا أن خصوصية بيروت تفرض هذا التشاور. فبيروت، بحسب بارود، هي، أولًا، عاصمة لبنان ولكل اللبنانيين، لكنها، في الوقت نفسه، تتمتع بحساسية سنية، وبالتالي لا بد من مراعاة هذا البعد عند اختيار محافظها.
ورأى أن التعيين إداري من حيث الشروط التي ينبغي أن تتوافر في المرشح، لكنه سياسي أيضًا، بمعنى ضرورة حصول توافق إيجابي حوله، وليس توافقًا يقوم على التسويات السلبية أو فرض الأمر الواقع. وأضاف أن خصوصية منصب محافظ بيروت ترتبط كذلك بكون العاصمة تضم مؤسسات الدولة ودوائرها الأساسية، فضلًا عن الصلاحيات التي يتمتع بها المحافظ في نطاق بلدية بيروت.
وأوضح أن دور محافظ بيروت لا يقتصر على إدارة المحافظة، بل يتولى، وفقًا لقانون البلديات، السلطة التنفيذية في بلدية بيروت، ما يمنحه موقعًا وصلاحيات إضافية، لافتًا إلى أن البلدية تعد من البلديات الكبرى، بما لديها من إمكانات مالية وما تواجهه، في المقابل، من صعوبات وتعقيدات، الأمر الذي يجعل اختيار المحافظ أكثر حساسية من مجرد تعيين إداري عادي.
وفي ما يتعلق بالمعايير التي يجب أن تحسم اختيار محافظ بيروت المقبل، شدد بارود على أن "الكفاءة أولًا"، معتبرًا أن الخبرة المطلوبة لا يشترط أن تكون حصرًا في العمل داخل المحافظة، بل يمكن أن تكون خبرة في الشأن العام وفي المجال القانوني، ومشيرًا إلى أن اشتراط القانون أن يكون المحافظ حاملًا إجازة في الحقوق أو ما يعادلها يعكس طبيعة المسؤوليات القانونية والإدارية التي يتولاها.
وشدد على أهمية النزاهة إلى جانب الكفاءة والخبرة، معتبرًا أن المحافظ يحتاج إلى أن يكون "آدميًا" و"نظيف الكف"، وقادرًا على مواجهة أي فساد، أيًا كان نوعه. ورأى أن هذا الشرط يكتسب أهمية إضافية في بيروت، حيث يتولى المحافظ أيضًا السلطة التنفيذية في البلدية، مؤكدًا أن المطلوب اختيار شخصية قادرة على المساهمة في إصلاح الإدارة وتحمل مسؤوليات هذا الموقع، بما يتناسب مع حساسية العاصمة وحجم الصلاحيات الممنوحة لمحافظها.
وفي لبنان، لا يبدو أن تعيين محافظ بيروت يمكن أن يبقى شأنًا إداريًا صرفًا، فحتى المواقع التي تحكمها شروط قانونية واضحة تبقى محكومة، في نهاية المطاف، بحسابات السياسة والتوازنات الطائفية. وبين الكفاءة والخبرة من جهة، والتوافقات السياسية من جهة أخرى، يبقى الوصول إلى اسم يحظى بالقبول أهم من مجرد استيفائه الشروط القانونية، في بلد يبدو فيه أن السياسة والتوافقات تتسللان إلى معظم تفاصيل إدارة الدولة.