حرب من نوع آخر. ففي وقت يترقب فيه اللبنانيون شاشات هواتفهم بحثا عن خبر يطمئنهم، وسط ظروف أمنية دقيقة تمرّ بها البلاد، وجد كثيرون أنفسهم أمام حظر مفاجئ على "واتساب"، برسالة واحدة تقطع التواصل: "هذا الحساب لا يمكنه استخدام واتساب". حسابات أُغلقت، وتواصل انقطع، وأعمال تعطّلت، ومع تزايد هذه الحالات في لبنان، تصاعدت المخاوف لدى المستخدمين، وبرزت علامات استفهام حول أسباب هذه القرارات وإمكانية استعادة الحسابات.
فما الذي يقف وراء هذا الحظر المفاجئ؟ وهل من سبيل لاستعادة الحساب بعد حظره؟
في هذا السياق، أوضح مستشار وخبير الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي رولان أبي نجم أن المشكلة اليوم لا تكمن فقط في سرقة حسابات "واتساب"، بل في ما قد يحدث للحساب بعد وقوعه في يد الجهة التي قامت باختراقه، مشيرا إلى أن سرقة حسابات "واتساب" ليست ظاهرة جديدة، إذ كانت الحسابات تُخترق في السابق لأهداف معروفة، أبرزها الاحتيال المالي. فكان المخترق يستولي على الحساب، ثم يستخدمه للتواصل مع أفراد موجودين على قائمة جهات الاتصال، وإرسال رسائل إليهم بهدف خداعهم ودفعهم إلى تحويل الأموال أو تنفيذ عمليات احتيال مختلفة. وفي هذه الحالات، كان الحساب يبقى فعالا، ما يعني أن صاحب الحساب كان يملك فرصة لمحاولة استعادته بعد تعرّضه للاختراق. لكن المشهد اليوم بات مختلفا، وفق أبي نجم. فبعد الاستيلاء على حساب "واتساب"، قد يعمد المخترق إلى استخدامه بطريقة تخالف سياسات وإجراءات شركة "ميتا"، من خلال إرسال محتويات محظورة أو القيام بأنشطة ممنوعة عبر الحساب، موضحا أن هذه الاستخدامات قد تشمل إرسال محتوى إباحي، أو محتويات مرتبطة بالأسلحة والمخدرات، وغيرها من المواد التي تحظرها سياسات "ميتا".
ولفت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن الشركة تتعامل بصرامة خاصة مع المخالفات المرتبطة باستغلال الأطفال أو الاتجار بهم أو نشر محتوى جنسي يتعلق بالأطفال، باعتبارها من الانتهاكات الخطيرة.
وهنا، بحسب أبي نجم، تبدأ المشكلة الأساسية: فالحساب الذي تعرّض للاختراق قد يصبح هو نفسه موضع مخالفة أمام "ميتا". وبمجرد رصد نشاط مخالف صادر عن الحساب، قد تقوم الشركة بحظره ومنعه من استخدام الخدمة. وبالتالي، لا يعود المستخدم أمام مشكلة اختراق فقط، بل أمام مشكلتين متتاليتين: اختراق الحساب، ثم حظر الحساب من جانب "ميتا" نتيجة النشاط الذي قام به المخترق من خلاله.
وأشار إلى أن صاحب الحساب قد يلجأ إلى تقديم طلب لمراجعة قرار الحظر، لكن تقديم طلب المراجعة لا يعني بالضرورة أن الحساب سيُستعاد. فالشركة قد تعتمد في قرارها على النشاط الذي رُصد على الحساب والمخالفة التي ارتكبت من خلاله. وفي الحالات التي يتضمّن فيها النشاط مخالفات شديدة الخطورة، لا سيما المرتبطة باستغلال الأطفال أو الاتجار بهم أو نشر محتوى جنسي يتعلق بهم، يصبح موقف الحساب أكثر تعقيدا، وقد تكون استعادته أمرا بالغ الصعوبة.
ولفت أبي نجم إلى أن نسبة الحالات التي يتعذّر فيها استعادة الحساب تصل إلى نحو 99 %، ما يجعل المشكلة تتجاوز عملية الاختراق نفسها، لتتحوّل إلى معركة جديدة مع قرار الحظر الذي فُرض على الحساب.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر: الضحية التي سُرق حسابها لا تخسر حسابها فحسب، بل قد تجد نفسها أمام حظر بسبب مخالفات ارتكبها المخترق باسمها، فتتحوّل من ضحية للاختراق إلى ضحية لقرار الحظر أيضا. فإذا كانت الضحية قد دفعت ثمن المخالفة، فمن يُحاسب المخترق؟