مع اقتراب موسم حرائق الأحراج، ترتفع المخاوف من تكرار سيناريو الحرائق التي تلتهم مساحات واسعة من الثروة الحرجية كل عام. وفي ظل غياب طائرات إطفاء متخصصة قادرة على المساعدة في عمليات الإطفاء، تبرز الحاجة إلى خطط استباقية ورفع مستوى الجهوزية على الأرض. فكيف تتحضر الجهات المعنية لمواجهة موسم الحرائق؟ وهل الإمكانات المتوافرة كافية للتعامل مع أي حريق محتمل؟
وفي هذا السياق، قال رئيس شعبة العلاقات العامة في فوج إطفاء بيروت النقيب علي نجم إن قضية حرائق الأحراج تبدأ من الثقافة والوعي، محذرا من أن تكرار المشهد سنويا سيستمر في حال غابت التوعية والتعليم والمحاسبة.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن أسباب اندلاع الحرائق تتنوع بين التقصير والإهمال، وصولا إلى افتعالها بشكل متعمد، مشيرا إلى أن النتيجة واحدة، وهي اندلاع النيران والتسبب بخسائر في الأحراج والثروة الحرجية.
ولا تتوقف عوامل الخطر عند الأسباب البشرية، إذ حذر نجم من مجموعة عوامل ترفع احتمالات الاشتعال، من ارتفاع درجات الحرارة والعوامل الطبيعية، إلى إشعال النار خلال الرحلات، ورمي أعقاب السجائر وقطع الزجاج، التي يمكن أن تعكس حرارة الشمس. ومع نهاية آب ودخول أيلول، تصبح الصورة أكثر خطورة، إذ تكون الأعشاب والأراضي قد فقدت نسبة كبيرة من رطوبتها وجفت، لتتحول إلى مواد قابلة للاشتعال. وفي هذه المرحلة، قد يكون أي مصدر حرارة إضافي كافيا لبدء الحريق، فيما يساهم تغير المناخ والرياح في زيادة خطر انتشار النيران واتساع رقعتها.
وبيّن أن الحرارة المرتفعة وتداعيات التغير المناخي والرياح الجافة تزيد من خطورة الوضع، خصوصا وأن الأعشاب تكون قد بلغت ذروة جفافها في هذه الفترة، فتفقد رطوبتها وتتحول إلى مواد شديدة القابلية للاشتعال. ومع ارتفاع الحرارة وهبوب الرياح، قد تكفي شرارة أو مصدر حرارة بسيط لبدء الاشتعال، ومن هنا تبدأ الحرائق بالانتشار في الأحراج.
أما على مستوى الجهوزية، فأكد نجم أن الاستعداد لموسم الحرائق يتكرر كل عام، وأن الآليات تكون جاهزة للتدخل، إلا أن التحدي الأساسي يكمن في طبيعة حرائق الأحراج، التي تختلف بشكل كبير عن حرائق المدن. ففي المدينة، تستطيع فرق الإطفاء الوصول إلى موقع الحريق بوسائل عدة، سواء عبر السلالم الآلية أو السلالم العادية، أو باستخدام المدافع المائية الموجودة على آليات الإطفاء. أما في الأحراج، فالمهمة أكثر تعقيدا، خصوصا في المناطق الواقعة داخل الوديان أو الأماكن التي يتعذر الوصول إليها بالآليات. وفي هذه الحالات، تعتمد فرق الإطفاء على عزل النار عن الأعشاب والمواد القابلة للاشتعال المحيطة بها، من خلال تكثيف استخدام المياه وترطيب المساحات المحيطة بالحريق، بهدف إنشاء حاجز يمنع تمدد النيران. فمع ارتفاع الحرارة، تتبخر المياه بسرعة، لذلك تحتاج الفرق إلى ترطيب الأعشاب بكميات كبيرة للحد من قابليتها للاشتعال. أما في الأماكن التي يمكن الوصول إليها، فتكافح النيران مباشرة، إما باستخدام المياه أو الأدوات اليدوية المخصصة لهذا النوع من الحرائق.
وفي ما يتعلق بالدعم الجوي، أوضح أن لبنان لا يملك طائرات إطفاء متخصصة، بل يعتمد على مروحيات مجهزة بخزانات مياه، تقوم بتعبئة المياه من البحر ثم إسقاطها فوق مناطق الحريق. لكن هذه الوسيلة تواجه بدورها تحديات عدة، إذ يمكن أن تتبخر كميات من المياه قبل وصولها إلى النيران، خصوصا مع ارتفاع درجات الحرارة في بؤرة الحريق. كما أن المروحية لا تستطيع تركيز المياه بشكل ثابت ومباشر على مركز النيران، كونها تتحرك أثناء إسقاط حمولتها، خلافا لعمليات الإطفاء الأرضية التي تتيح توجيه المياه بشكل أدق نحو مصدر الحريق.
وفي هذا الإطار، أشار نجم إلى أن المروحيات المتوافرة حاليا لا تستطيع حمل كميات كبيرة من المياه، لافتا إلى أن محاولات سابقة لتأمين طائرات متخصصة بالإطفاء وقادرة على حمل أطنان من المياه لم تصل إلى نتيجة.
وشدد على أن هذا الملف ليس من ضمن صلاحيات فوج إطفاء بيروت، مؤكدا أن علاقة الفوج بالحريق مباشرة، وأن عمله يتركز على استخدام المعدات والآليات المتوافرة لمواجهة النيران ميدانيا.
وفي حال اندلاع حريق كبير في الأحراج، تصبح الحاجة إلى الدعم الجوي الخارجي ضرورية، إذ أشار نجم إلى أنه يتم أحيانا الاستعانة بقبرص، التي سبق أن ساعدت لبنان عبر إرسال طائرات إطفاء قادرة على حمل أطنان من المياه والمشاركة في عمليات مكافحة الحرائق. أما لبنان، فلا يملك هذا النوع من الطائرات المتخصصة، فيما تقتصر الإمكانات المتوافرة محليا على مروحيات الجيش اللبناني المجهزة بخزانات مياه.
وبحسب نجم، تبقى قدرتها محدودة، سواء لناحية كمية المياه التي تحملها أو لناحية دقة إسقاطها على بؤرة الحريق. ويضاف إلى ذلك أن جزءا من المياه قد يتبخر بفعل الحرارة قبل وصوله إلى النيران، فيما لا تسمح حركة المروحية أثناء إسقاط المياه بتركيز الحمولة على نقطة ثابتة، كما أن الكمية لا تكفي لتغطية مساحات واسعة من الأحراج.
وعلى مستوى منظومة الإطفاء ككل، لفت إلى أن لبنان يفتقد إلى إدارة إطفاء موحدة على مستوى الأراضي اللبنانية كافة، في ظل وجود أكثر من جهة معنية، من اتحادات الإطفاء والأفواج إلى الدفاع المدني. وتعمل كل جهة ضمن الإمكانات المتاحة لها، إلا أن التجهيزات، بحسب رأيه، لا تصل إلى المستوى الذي يسمح بمواجهة الحرائق الكبرى بالشكل المطلوب.
ومن هنا، عاد نجم إلى النقطة التي بدأ منها: التربية والثقافة والوعي. فالمواجهة، برأيه، لا تقتصر على المعدات والطائرات، بل تبدأ من المدارس ومن تعليم الأجيال كيفية التعامل مع الأحراج ومخاطر إشعال النيران أو رمي ما قد يؤدي إلى اندلاعها، إلى جانب ضرورة وجود محاسبة لمن يتسبب بالحرائق.
وفي حال اندلاع حريق كبير يتجاوز قدرات فرق الإطفاء والمعدات المتوافرة، أوضح أن الحكومة قد تضطر إلى طلب المساعدة من قبرص، خصوصا في الحرائق الحرجية التي يتعذر الوصول إليها بواسطة معدات الإطفاء التقليدية. أما محليا، فيبقى الاعتماد بشكل أساسي على مروحيات الجيش.
أما فوج إطفاء بيروت، فأكد نجم أنه في جهوزية دائمة للتدخل عند الحاجة، وليس فقط خلال موسم الحرائق، سواء داخل بيروت أو خارجها، على الرغم من أن مهمته الأساسية تتركز في العاصمة. وقال إنه عند وقوع حريق كبير أو كارثة، لا تعود حدود المهمة محصورة بمنطقة جغرافية محددة، بل يصبح لبنان كله ضمن نطاق الاستجابة والمساعدة، لأن الأولوية في مثل هذه الحالات هي مواجهة الحريق والحد من الخسائر، أيا كان موقعه.
موسم الحرائق يقترب، والطائرات غائبة، والإمكانات محدودة. وعندما تشتعل الأحراج، قد لا يكون هناك وقت لتعويض ما ينقص. فهل لبنان جاهز للمواجهة؟