أعاد اقتراح قانون العفو العام، بصيغته الأخيرة التي خرجت عن اللجان النيابية المشتركة، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في لبنان: ملف اللبنانيين الموجودين في إسرائيل منذ تحرير الجنوب عام 2000.
أعاد اقتراح قانون العفو العام، بصيغته الأخيرة التي خرجت عن اللجان النيابية المشتركة، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في لبنان: ملف اللبنانيين الموجودين في إسرائيل منذ تحرير الجنوب عام 2000.
ملف يجمع بين البعد الإنساني للعائلات، والبعد الأمني والقضائي المرتبط بجيش لبنان الجنوبي، المعروف بـ"جيش لحد"، ويعيد إلى الواجهة جدلًا قانونيًا وسياسيًا واسعًا، ولا سيما حول المادة الثانية، البند الرابع، المتعلقة بجرائم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو.
المادة الثانية… استثناء يعقبه استثناء
تستثني مسودة قانون العفو جرائم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو من أحكام العفو.
لكن النص يورد استثناءً، إذ ينص على أن هذه الجرائم تبقى مستثناة، "باستثناء المشمولين بالفقرة (2) من المادة الأولى من القانون رقم 194 تاريخ 18/11/2011، الذين يعتبرون مستفيدين حكمًا من هذا القانون".
ومن هنا تبرز الأسئلة: من هم المشمولون بهذه الفقرة؟ وهل يعني ذلك أن جميع اللبنانيين الموجودين في إسرائيل أصبحوا مشمولين بالعفو؟
القانون 194… مفتاح فهم النص
لفهم هذه الإحالة، لا بد من العودة إلى القانون رقم 194 الصادر عام 2011، والذي تناول أوضاع اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل.
القانون يميز بين فئات من اللبنانيين الذين غادروا إلى إسرائيل، وبين الأشخاص الذين انضووا عسكريًا وأمنيًا في جيش لبنان الجنوبي.
وهذا التفريق أساسي، لأن قانون العفو لم يحل إلى القانون 194 بشكل عام، بل أشار تحديدًا إلى الفقرة الثانية من المادة الأولى.
وبالتالي، لا يمكن اعتبار جميع اللبنانيين الموجودين في إسرائيل مشمولين بالعفو تلقائيًا، بل يجب تحديد ما إذا كان الشخص المعني يدخل ضمن الفئة التي أحال إليها النص.
وفي هذا السياق، أوضح المحامي أمين بشير أن جرائم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو مستثناة من العفو العام، باستثناء المستفيدين من القانون رقم 194 الصادر عام 2011.
وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن هذا القانون خصص لمعالجة أوضاع اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل، إلا أنه صدر من دون مراسيم تطبيقية، وبالتالي لم يدخل حيز التطبيق عمليًا.
وأضاف بشير أن القانون يتيح، وفق تفسيره، لأفراد العائلات اللبنانية التي لجأت إلى إسرائيل العودة إلى لبنان من دون الخضوع للمحاكمة، باستثناء الأشخاص الذين كانوا في صفوف جيش لبنان الجنوبي "جيش لحد".
ولفت إلى أن المقصود هو أفراد العائلات الذين غادروا إلى إسرائيل من دون انخراط عسكري، في حين أن الأشخاص الذين كانوا في جيش لحد يبقون خاضعين للمحاكمة.
وتوقف بشير عند الجدل الذي رافق تفسير النص، ولا سيما في ما يتعلق بشروط العودة والتخلي عن الجنسية الإسرائيلية، مشيرًا إلى تباين التصريحات النيابية حول هذه المسألة.
وكانت النائبة غادة أيوب قد أدلت بتصريح فهم منه أن اللبنانيين الموجودين في إسرائيل يمكنهم العودة إلى لبنان من دون تقديم تنازلات، بما في ذلك التخلي عن الجنسية الإسرائيلية.
في المقابل، قال النائب زياد حواط إن المواطن اللبناني الموجود في إسرائيل، شرط ألا يكون من عناصر جيش لحد وألا يكون قد صدر بحقه حكم، يمكنه العودة إلى لبنان بعد نشر قانون العفو العام في الجريدة الرسمية، على أن يتخلى عن الجنسية الإسرائيلية.
وهنا تبرز نقطة أخرى في الجدل: فالمادة الثانية، البند الرابع، تتحدث تحديدًا عن الاستفادة الحكمية للمشمولين بالفقرة الثانية من قانون 2011، ولا تتضمن في هذا البند نصًا صريحًا بشأن التخلي عن الجنسية الإسرائيلية.
هل يشمل العفو كل المبعدين؟
وفق القراءة القانونية للنص، لا يمكن القول إن جميع اللبنانيين الموجودين في إسرائيل، أو جميع من غادروا لبنان عام 2000، مشمولون بالعفو بصورة تلقائية.
فالاستثناء الوارد في قانون العفو يحيل تحديدًا إلى الفقرة الثانية من المادة الأولى من القانون 194/2011.
وبالتالي، فإن تحديد المستفيدين يتطلب معرفة الوضع القانوني لكل شخص، وما إذا كان يدخل ضمن الفئة التي يشملها القانون، أو ضمن الفئات التي تبقى خاضعة للملاحقة وفق القوانين النافذة.
العفو شيء… والعودة شيء آخر
العقدة الأساسية في هذا الملف هي الخلط بين مفهومين قانونيين مختلفين: العفو عن الجرائم وتنظيم العودة إلى لبنان.
فالعفو العام يرتبط بالدعوى العامة والعقوبات والآثار الجزائية التي يسقطها المشرع عن جرائم محددة.
أما شروط العودة، واستعادة الأوراق الثبوتية، ووضع الجنسية، وسائر الإجراءات الإدارية والأمنية المرتبطة بالعودة، فهي مسائل أخرى تحتاج إلى أحكام وآليات قانونية وإدارية واضحة.
لذلك، فإن "العفو يشمل المبعدين إلى إسرائيل" تبقى عامة، ولا تكفي وحدها لتحديد المستفيدين.
فالاستفادة الحكمية، وفق النص، ترتبط تحديدًا بالمشمولين بالفقرة الثانية من المادة الأولى من القانون 194/2011، فيما يبقى تحديد وضع كل شخص مرتبطًا بفئته القانونية وطبيعة وضعه.