أقرّ مجلس النواب قانون العفو العام بعد أشهر من السجال السياسي والقانوني، وبعد إدخال تعديلات على عدد من مواده، في خطوة تفتح الباب أمام الإفراج عن آلاف السجناء والموقوفين، وتعيد إلى الواجهة ملف الموقوفين الإسلاميين والشيخ أحمد الأسير.
أقرّ مجلس النواب قانون العفو العام بعد أشهر من السجال السياسي والقانوني، وبعد إدخال تعديلات على عدد من مواده، في خطوة تفتح الباب أمام الإفراج عن آلاف السجناء والموقوفين، وتعيد إلى الواجهة ملف الموقوفين الإسلاميين والشيخ أحمد الأسير.
إقرار القانون لم يأتِ من دون تجاذبات، إذ شهدت الجلسات نقاشًا حادًّا حول الفئات التي سيشملها والاستثناءات الواردة فيه، وسط اعتراضات من عائلات الموقوفين الإسلاميين وعائلات العسكريين الذين سقطوا في مواجهات أمنية.
فما الذي حملته الصيغة النهائية لقانون العفو العام؟ ومن المستفيد الأول منه؟ وماذا عن ملف الشيخ أحمد الأسير؟
في هذا السياق، قال المحامي محمد صبلوح، إن إقرار قانون العفو العام جاء بعد مخاض طويل وجلسات نقاشية ومحاولات، بحسب تعبيره، من أطراف في "الدولة العميقة" لعرقلته، معتبرًا أن القانون أُقرّ "بغصّة".
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن القانون جيد بشكل عام للسجناء وللبنانيين وللقضاء، مشيرًا إلى أن المستفيد الأول من إقراره هو القضاء نفسه.
وأضاف صبلوح أن القضاء أوصل البلاد إلى هذه المرحلة، بعدما تجاوزت نسبة الاكتظاظ في السجون 330 في المئة من قدرتها الاستيعابية.
وأشار إلى أن الجسم القضائي لم يعد قادرًا على متابعة الملفات بالوتيرة المطلوبة، ما أدى إلى حالة من العجز، معتبرًا أن قانون العفو العام كان ضروريًا لفتح المجال أمام إعادة تأهيل القضاء وتطويره ومكننته، بما يسمح له بمواجهة التطورات في البلاد من دون العودة إلى أزمة الاكتظاظ، مع ضرورة احترام القانون والتوقيف الاحتياطي.
واعتبر صبلوح أن القانون يشكل خطوة جيدة للبنانيين ولغير اللبنانيين وللقضاء، ولا سيما لناحية معالجة اكتظاظ السجون، لكنه أسف لعدم تحوّله إلى خطوة باتجاه المصالحة الوطنية.
ولفت إلى أن المطالبة كانت تتركز على تحقيق العدالة الانتقالية، مشيرًا إلى أن سقوط نظام الأسد ترك أشخاصًا دفعوا الثمن، سواء عبر تشريد عائلاتهم أو بقائهم في السجن، بسبب مناصرتهم للثورة السورية ومعارضتهم لنظام الأسد.
واعتبر صبلوح أن القانون، بدلًا من معالجة هذه المشكلات بصورة كاملة، خفّف الظلم عن البعض، لكنه، في المقابل، زاد الظلم على البعض الآخر، ما أبقى ملف العدالة والمصالحة الوطنية من دون معالجة شاملة.
ولفت إلى أن إقرار قانون العفو العام جاء بعد أشهر من المحاولات لعرقلته ووضع "الأفخاخ والألغام" أمامه، مشيرًا، بحسب روايته، إلى أن هذه المحاولات ارتبطت بحزب الله والنائب علي حسن خليل ونائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب ووزير الدفاع ميشال منسى، الذي اتهمه بمحاولة عرقلة المصالحة الوطنية منذ اليوم الأول.
وأضاف أن وزير الدفاع، بحسب صبلوح، لم يكن اهتمامه الأساسي منصبًا على ملفات القتل والمخدرات والاغتصاب والجرائم الأخرى، معتبرًا أن الأولوية لديه كانت عرقلة ملف ما يُسمّى بالموقوفين الإسلاميين.
وانتقد تدخل وزير الدفاع في تفاصيل القانون، معتبرًا أن ذلك ليس من صلاحياته، وموضحًا أن السلطة التنفيذية تبدي رأيها، فيما يستكمل القانون مساره التشريعي.
وأشار صبلوح إلى أن الوزير كان يتدخل في مواد القانون، فيما كان إلياس بو صعب، بحسب روايته، ينقل مواقف المعترضين إلى النواب السنّة، محذرا إياهم من أن استمرار الخلاف سيؤدي إلى إسقاط القانون، وأن رفض بعض البنود قد يطيّر الاقتراح برمته.
وقال إن هذا الأمر تكرر خلال اجتماعات اللجان النيابية المشتركة، حيث وُضع النواب السنّة، بحسب روايته، أمام خيار القبول بصيغة معينة أو المخاطرة بسقوط القانون.
وأوضح صبلوح أن الخوف من إسقاط القانون دفع النواب إلى تمريره في اللجان، رغم أن الصيغة التي خرجت منها كانت، بحسب وصفه، سيئة وشهدت الكثير من الإشكالات.
وأشار إلى أن تأجيل انعقاد الهيئة العامة السابقة من قبل القوات اللبنانية أعقبه إنقاذ القانون، إضافة إلى حصول تجمّع ووحدة للنواب السنّة بمباركة رئيس الحكومة نواف سلام.
وتابع صبلوح أن الاتفاق تم على تعديل ثلاث نقاط أساسية في القانون.
الأولى تتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بالسجن المؤبد.
والثانية ترتبط بإخلاء السبيل بعد مرور 12 سنة، بحيث يُخلى سبيل الموقوف من دون قيد، مشيرًا إلى أن هذه المادة أثارت جدلًا واسعًا بسبب ما وصفه بـ"اللغم"الذي وضعه نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب وأدى إلى تفريغها من مضمونها في الصيغة السابقة.
أما النقطة الثالثة، فتتعلق بالحق الشخصي وإسقاطه، معتبرًا أن الصيغة السابقة جعلت إسقاط الحق الشخصي شرطًا للاستفادة من تخفيض العقوبة لمن لا يشملهم العفو، ما أدى، بحسب قوله، إلى عرقلة ملفات عدة وتعطيل القانون.
وأشار إلى أن هذه التعديلات، التي عمل عليها النواب السنّة، تبنّتها كتلة القوات اللبنانية واللقاء الديمقراطي ورئيس مجلس النواب نبيه بري، لتتحول إلى مبادرة وطنية جامعة.
وأوضح صبلوح أنه، خلال مناقشة القانون في الجلسة الأخيرة للهيئة العامة، فوجئ بمحاولة وزير الدفاع ميشال منسى إلقاء كلمة وصفها بالوجدانية، قبل أن يمنعه رئيس الحكومة من ذلك.
وقال إنه رد على وزير الدفاع بأن من يحرص فعلًا على دماء شهداء الجيش اللبناني، عليه أن يأخذ الفيديو الموثق للمعارك في عبرا، والذي قال إنه يثبت، بحسب اعتقاده، من قتل شهداء الجيش، وأن يعمل على محاسبة المسؤولين.
وأضاف صبلوح أن من يحرص على دماء الشهداء عليه متابعة جريمة قتل الشهيد الرائد سامر حنا، وكذلك كشف ملابسات التفجيرات التي طالت ضباطًا وعناصر في الجيش اللبناني خلال السنوات الماضية، ومعرفة من يقف وراءها ولماذا، متسائلًا عن سبب الاستهتار بدماء هؤلاء، ومشيرًا إلى الملازم الأول محمود زيتون وعشرات الشهداء الآخرين.
وشدد على رفضه المتاجرة بدماء شهداء الجيش أو الادعاء بالحرص عليهم، في مقابل استثناء العسكريين والضباط وعناصر الأجهزة الأمنية من قانون العفو العام.
وقال إن أداء وزير الدفاع أثار علامات استفهام، مشيرًا إلى أنه أطلق عليه تسمية "وزير الدولة العميقة" بدلًا من وزير الدفاع، معتبرًا أن مهمته، بحسب وصفه، كانت إسقاط قانون العفو العام، في حين كان رئيس الحكومة يعتبر إقراره أولوية.
وأضاف أن النوايا الحقيقية للجهات التي عارضت القانون ظهرت خلال النقاشات، مشيرًا إلى وزير الدفاع وحزب الله و"التيار الوطني الحر"، وقال إن ما لم يكن يُقال في الإعلام هو أن إخراج جميع السجناء من السجون لم يكن أولوية لدى هؤلاء.
وقال صبلوح إن النائب أمين شري طرح الأمر علنًا عندما تساءل عما إذا كان قانون العفو سيؤدي إلى خروج أحمد الأسير، معتبرًا أن هناك موقفًا سلبيًا من ملف عبرا ومن الشيخ أحمد الأسير.
وأشار إلى أن النقاش عاد إلى المادة الخامسة عندما أصبح الخيار بين إقرار القانون أو إسقاطه في حال شمول الأسير بمادة إخلاء السبيل، وهي المادة التي تنص على إخلاء السبيل بعد مرور 12 سنة.
وأوضح أن النواب كانوا قد أضافوا عبارة "قبل إبرام الحكم"، بما يعني أن الحكم يصبح مبرمًا، معتبرًا أن محاولة إزالة هذه العبارة وإعادة المادة إلى صيغتها السابقة كانت "لغمًا" جديدًا، لأنها تفرغها من مضمونها وتحرم أي شخص من الاستفادة منها.
وقال صبلوح إن المعادلة كانت واضحة: إما تعديل المادة بما يسمح بالاستفادة الفعلية منها، وإما إسقاط قانون العفو العام.
وأوضح أن هذا الوضع وضع الشيخ أحمد الأسير أمام مسؤولية كبيرة، بعدما وجد نفسه أمام احتمال أن يصبح عقبة أمام خروج آلاف السجناء ومعالجة أزمة الاكتظاظ، مشيرًا إلى أن السجناء في رومية والأسير نفسه آثروا ألا يبقى ملفه سببًا في تعطيل القانون.
وأضاف أن الأسير انتقل، بحسب وصفه، من "رمز للمظلومية الوطنية" إلى "رمز للتضحية"، معتبرًا أن ذلك أفشل محاولات إسقاط قانون العفو العام.
وأشار صبلوح إلى أن القانون سيُحال إلى رئاسة الجمهورية، متوقعًا ألا يعارضه رئيس الجمهورية، الذي أعلن في أكثر من مناسبة تأييده للعفو العام، وكان مواكبًا للجلسات التشريعية وتفاصيلها.
وأوضح أن القانون سيُحال خلال الأيام المقبلة، ثم يُنشر في الجريدة الرسمية، لتبدأ بعد ذلك عملية تطبيقه.
ولفت صبلوح إلى أن القانون سيؤدي إلى عدد كبير من المساجين على مراحل، موضحًا أن الدفعة الأولى قد تضم نحو ثلاثة أو أربعة آلاف سجين، على أن تتم العملية تباعًا وفق مدى شمول كل شخص بالقانون، والمواد المنطبقة عليه، والشروط المطلوبة للاستفادة.
وأضاف أن بقية السجناء سيخرجون تباعًا، معتبرًا أن القانون يشكّل خطوة مهمة لمعالجة اكتظاظ السجون.
وفي ما يتعلق بالموقوفين الإسلاميين، أشار صبلوح إلى أن 57 شخصًا سيخرجون في الدفعة الأولى، على أن تُستكمل عمليات الإفراج عن الآخرين تدريجيًا خلال السنوات المقبلة.
وفي ملف الشيخ أحمد الأسير، أوضح صبلوح أن موقفه منذ البداية لم يكن المطالبة بعفو عام عنه، بل بالعدالة، مشيرًا إلى أنه لم يجد حتى اليوم قاضيًا يستطيع متابعة القضية بصورة جريئة وواضحة أمام الرأي العام.
وقال إن المطلوب قاضٍ شجاع يقول الحقيقة للرأي العام، ويأخذ بالأدلة والمستندات الموجودة لدى الدفاع، بدلًا من الاكتفاء بالقول إن النيابة العامة لم تدّعِ أو إن الأمر ليس من اختصاصه.
وطالب صبلوح بالأخذ بالأدلة الموجودة لدى الدفاع والاستماع إلى إفادات الضباط والعناصر الذين كانوا موجودين خلال الأحداث، ومن بينهم الجرحى، إضافة إلى استدعاء العميد شامل روكز والاستماع إلى إفادته، والحصول على أسماء شهداء الجيش اللبناني والتقارير الطبية التي توضح ظروف مقتلهم.
وأشار إلى شهادات لعائلات شهداء الجيش، متوقفًا عند شهادة عائلة أحد الشهداء في شحيم، التي تساءلت خلال مراسم دفن ابنها: "إذا كان ابني يطلق النار على الشيخ أحمد الأسير في عبرا، فمن أطلق النار عليه من الخلف وفي رأسه؟".
وأكد صبلوح أن لدى الدفاع شهادات عسكريين وأدلة، بينها صور وفيديوهات وتقارير ووثائق، قال إنها تتضمن، بحسب ما يراه، ما يثبت تورط حزب الله وسرايا المقاومة في قتل شهداء الجيش اللبناني.
وأضاف أن هذه الأدلة، بحسب قوله، لم يأخذ بها القضاء، معتبرًا أن الدفاع لم يحصل حتى اليوم على محاكمة عادلة، ومشيرًا إلى أن تحقيق العدالة الانتقالية كان وعدًا من رئيس الجمهورية ولم يُطبّق حتى الآن.
وقال صبلوح إن المرحلة المقبلة ستشهد معركة قضائية لإظهار حقيقة من قتل شهداء الجيش اللبناني ومن نفذ أحداث عبرا، مؤكدًا أن الدفاع سيضع الرأي العام أمام التفاصيل تباعًا، من خلال الأدلة وشهادات الشهود والوثائق.
وفي ما يتعلق بقانون العفو العام، أوضح صبلوح أن الشيخ أحمد الأسير، في أسوأ الحالات، قد يخرج بعد 20 شهرًا كحد أقصى، مؤكدًا أن وكلاء الدفاع سيواصلون المسار القضائي، لأنهم يعتقدون أن الأسير ليس بحاجة إلى انتظار قانون العفو العام للاستفادة منه.
ولفت صبلوح إلى أن الدولة التي تحترم نفسها وتؤمن بالعدالة كان يُفترض أن يكون الشيخ أحمد الأسير خارج السجن منذ وقت طويل، فيما يجب أن يعود إلى السجن، بحسب تعبيره، من يعتبرهم مجرمين ولا يزالون فارين من وجه العدالة.
ويبقى قانون العفو العام أمام امتحان التنفيذ، فيما يبقى ملف أحمد الأسير مفتوحًا على المسار القضائي، وسط ترقب لما ستؤول إليه المرحلة المقبلة: من سيخرج؟ ومتى؟ وهل يُطوى الملف أم يبدأ فصل جديد من السجال؟