بعد إعلان حركة حماس موافقتها على تسليم وتخزين أسلحتها الثقيلة في إطار مقترح لوقف إطلاق النار في غزة، شرط أن يترافق ذلك مع وقف العدوان الإسرائيلي والانسحاب التدريجي من القطاع، اتجهت الأنظار إلى مصير السلاح الفلسطيني في لبنان، خصوصاً أن الدولة اللبنانية كانت قد بدأت بالفعل مسار تسلّم سلاح الفصائل من المخيمات، تنفيذاً للتفاهم اللبناني-الفلسطيني.
فهل ينعكس التطور الأخير في غزة على مسار السلاح الفلسطيني في لبنان، أم أن المرحلة المقبلة ستكون مرتبطة بمدى قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ قرارها بحصر السلاح بيد الشرعية؟
في هذا الإطار، أكد مدير مركز التطوير للدراسات والباحث السياسي المتخصص في العلاقات اللبنانية-الفلسطينية هشام دبسي، أن مسألة تسليم السلاح في غزة لا ترتبط بشكل مباشر بملف تسليم السلاح الفلسطيني في لبنان، لأن لكل من الملفين سياقه السياسي والأمني المختلف، مشيراً إلى أن ملف غزة جاء في سياق مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وتشكيل مجلس السلام والبنود التي جرى التفاهم حولها، لافتاً إلى أن حركة حماس وافقت سياسياً على البند المتعلق بتسليم السلاح.
وأشار، عبر منصّة "بالعربي"، إلى أن حرب غزة أدت إلى تدمير معظم السلاح الثقيل والمتوسط لدى حماس، ولم يبقَ لديها سوى السلاح الفردي الذي تحتفظ به أجهزتها الأمنية والشرطية، التي تتحكم بشؤون نحو مليوني فلسطيني يعيشون في المنطقة الساحلية خلف الخط الأصفر الذي حددته إسرائيل، لافتاً إلى أن إعادة تأكيد حماس موافقتها على تسليم السلاح ارتبطت بانسحاب إسرائيل، فيما ربطت مسألة السلاح الفردي بتسليمه إلى اللجنة الإدارية الفلسطينية، لأنها لا تريد أن يُسجّل عليها أنها سلّمت سلاحها لإسرائيل.
وأوضح دبسي أن السلاح الفردي الموجود لدى حماس في غزة لا يرتبط حالياً برفض مبدئي للتسليم، بقدر ما يرتبط بالتفاهمات الأمنية التي جرت بعد الغارة الإسرائيلية على الدوحة والبدء بتنفيذ خطة ترامب. وأضاف أن الرئيس الأميركي نفسه أشار إلى عدم الاستعجال في تسليم السلاح الفردي خلال المرحلة الانتقالية، ما أدى إلى خلاف في التقدير بين الموقف الأميركي، الذي يقبل ببقاء السلاح الفردي لإدارة الوضع الأمني في غزة، والموقف الإسرائيلي، الذي يرفض الانسحاب قبل تسليم هذا السلاح، معتبراً أن الشعب الفلسطيني يدفع ثمناً كبيراً نتيجة هذا الخلاف.
أما في لبنان، فكشف أن موقف حماس من مسألة تسليم السلاح مرّ بثلاث مراحل. فعندما أطلق الرئيس الفلسطيني محمود عباس مبادرته خلال زيارته للرئيس جوزاف عون، داعياً إلى تسليم السلاح الفلسطيني للدولة اللبنانية وإنفاذ السيادة اللبنانية على المخيمات، رفضت حماس تسليم سلاحها، وربطت موقفها آنذاك بموقف حزب الله من السلاح، على غرار الموقف الذي كان قائماً لدى الحزب في تلك المرحلة.
وأضاف دبسي أن موقف حماس تطور بعد الحروب التي بدأت من حرب الإسناد وصولاً إلى الحرب الأخيرة، لتصبح الحركة أكثر انفتاحاً على فكرة تسليم السلاح، لكنها ربطت ذلك بنقاش وحوار وإجماع وطني، إلى جانب مقايضة مرتبطة بالحقوق الإنسانية للفلسطينيين في المخيمات، معتبراً أن هذا الطرح ليس من صلب السياسة الفلسطينية في لبنان، لأن الشرعية الفلسطينية قالت بوضوح إن تسليم السلاح إلى الدولة اللبنانية استحقاق لبناني، ولا يمكن مقايضته بالحقوق الفلسطينية.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن الحكومة اللبنانية تعمل حالياً على إعداد خطة واسعة النطاق لحوكمة المخيمات، وهي مسألة منفصلة عن ملف تسليم السلاح، معتبراً أن حماس تحاول، من خلال ربط السلاح بالحقوق، فتح خط تفاوض مباشر مع الدولة اللبنانية. إلا أن الدولة اللبنانية، بحسب تقديره، لا تتعامل مع هذا الأمر بجدية كعائق أساسي في الوقت الحالي، خصوصاً أن غالبية الفصائل الفلسطينية أصبحت مقتنعة بتسليم سلاحها إلى الجيش اللبناني.
وفي ما يتعلق بإمكان تأثير موقف حماس على الفصائل الفلسطينية الأخرى، قال دبسي إن الموقف اللبناني الرسمي تجاه الحالة الفلسطينية تطور عما كان عليه في السنوات الماضية، إذ حدد خطاب القسم والبيان الوزاري أن الجهة الرسمية الفلسطينية هي الجهة الوحيدة المخولة بالحوار مع الدولة اللبنانية. وبناءً عليه، فإن أي فصيل لا يريد الإقرار بالشرعية الفلسطينية في لبنان سيتم التعامل معه بصورة منفردة، كما حصل مع المنشقين عن حركة فتح تحت عنوان "فتح الانتفاضة".
ولفت إلى أن الجيش اللبناني تعامل مع هؤلاء بشكل منفرد وتسلم أسلحتهم في مخيم البداوي، مؤكداً أن الأمر نفسه يمكن أن يحصل مع أي فصيل آخر يرفض تسليم سلاحه. لكنه شدد، في الوقت نفسه، على أن الظروف السياسية الراهنة تستدعي من الدولة اللبنانية التريث والتعامل مع الملف بهدوء ومسؤولية، لأن الأوضاع العامة تفرض أن تتم هذه العملية من دون خسائر غير مبررة.
أما في ما يتعلق بمسار المبادرة الفلسطينية، فأكد دبسي أن مبادرة تسليم السلاح، التي أطلقها الرئيس محمود عباس في أيار من العام الماضي، هي مبادرة سياسية مستمرة، ولن تتوقف قبل إخلاء المخيمات من الأسلحة وعودة الجيش اللبناني إلى ممارسة سيادته عليها، بحيث يصبح اللاجئ الفلسطيني داخل المخيمات خاضعاً للقانون اللبناني. وشدد على أن هذه المبادرة لا يمكن تقييمها فقط من خلال ما أُنجز حتى الآن، لأنها تمثل مساراً شاملاً لإعادة تنظيم العلاقة بين الشرعيتين اللبنانية والفلسطينية.
وأشار إلى أن الهدف هو بناء علاقة سليمة للاجئ الفلسطيني في لبنان مع الدولة اللبنانية، تقوم على احترام القانون والانضباط الكامل للسيادة اللبنانية، لافتاً إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد إنجازات تراكمية، خصوصاً مع تقديم الدولة اللبنانية خطتها الوطنية الجديدة لحوكمة المخيمات، إلى جانب القانون المحال إلى مجلس النواب، الذي يحدد المفهوم القانوني اللبناني للجوء الفلسطيني في لبنان من مختلف جوانبه.
وأوضح دبسي أن المرحلة المقبلة ستشهد نقاشاً قانونياً وتشريعياً داخل مجلس النواب، بالتوازي مع إعداد السلطة اللبنانية مجموعة من المراسيم ومشاريع العمل لتنفيذ خطتها بالتعاون مع منظمة التحرير الفلسطينية وسفارة فلسطين في لبنان. واعتبر أن أي اعتراض من فصيل فلسطيني على هذا المسار سيُعالج بالحكمة والروية والهدوء، وصولاً إلى إزالة الاعتراضات واستكمال المسار القائم على تفاهم الشرعيتين اللبنانية والفلسطينية.
وختم بأن الاتجاه الاستراتيجي يتمثل في إعادة الحالة الفلسطينية في لبنان إلى وضع غير مسلح، وإنهاء وجود الأسلحة داخل المخيمات، وعودة هذه المخيمات إلى كنف السيادة اللبنانية، على أن يتم ذلك بالتفاهم بين الدولة اللبنانية والشرعية الفلسطينية، وبخطوات متدرجة تراعي الظروف السياسية والأمنية القائمة.
في المحصلة، إن كانت الدولة اللبنانية قد حسمت موقفها لجهة حصر السلاح بيد الشرعية، فإن سلاح الفصائل الفلسطينية يأتي ضمن هذا القرار، كما سلاح حزب الله، فيما يبقى المطلوب اليوم ترجمة القرار على الأرض. وقد لا يكون هذا المسار سريعاً أو سهلاً، لكنه بات مرتبطاً بقرار واضح من الدولة وبقدرتها على استكماله حتى النهاية.