على خلفية الملاحقات القضائية الصادرة بحقه، أوصى القضاء اللبناني بتسليم السفير الفلسطيني السابق في لبنان أشرف دبور إلى السلطة الفلسطينية في رام الله، في وقت تطالب عائلته بإبقاء القضية في لبنان ورفض تسليمه. ولا يزال قرار التسليم بحاجة إلى استكمال الإجراءات المرتبطة بتنفيذه، فيما يبقى مصير دبور والجهة التي ستتولى محاكمته موضع متابعة.
وكان دبور قد أُوقف سابقاً في مطار رفيق الحريري الدولي بموجب مذكرة توقيف معمّمة عبر الإنتربول، قبل أن يُفرج عنه، ثم يتجدد توقيفه في 3 آب بسبب الملاحقة الفلسطينية، على خلفية اتهامات تتعلق بالفساد واختلاس أموال خلال فترة توليه منصبه في لبنان. وفيما ينفي دبور هذه الاتهامات، تقول عائلته إن القضية مرتبطة بخلافات سياسية داخل السلطة الفلسطينية. فما خلفيات ملاحقة دبور، ولماذا أثار قرار تسليمه إلى السلطة الفلسطينية كل هذا الجدل السياسي والقضائي؟
وفي قراءته للملف، اعتبر الصحافي طوني بولس أن دبور يواجه ملفات تتصل بالفساد واختلاس أموال تابعة للسلطة الفلسطينية، إلى جانب ملفات أخرى مرتبطة بتحويل أراضٍ، لافتاً إلى أن القضية لا تقف عند الجانب المالي، بل تتوسع لتشمل نشاطات ذات طابع أمني داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان، من بينها تشكيل مجموعات وخلايا أمنية وتجارة السلاح.
ولفت، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن دبور لم يكن يؤدي، بحسب قراءته، دوراً دبلوماسياً فقط، بل كان جزءاً من شبكة علاقات سياسية وأمنية داخل لبنان، مشيراً إلى أنه كان يغطي السياسات الفلسطينية بالطريقة التي تتناسب مع مواقف الثنائي الشيعي وحلفائه، ما جعله يؤدي دوراً سياسياً يتجاوز موقعه كسفير، وأقام من خلاله علاقات مع قوى وشخصيات لبنانية.
وأضاف بولس أن انكشاف هذه الملفات أدى إلى تحرك الأجهزة الأمنية الفلسطينية وملاحقة دبور على خلفية ما يُنسب إليه من عمليات اختلاس وفساد، إلى جانب نشاطات أمنية وتجارة سلاح، معتبراً أن القضية باتت مرتبطة أيضاً بالسؤال عن طبيعة الدور الذي كانت تؤديه بعض المجموعات داخل المخيمات الخارجة عن سلطة السلطة الفلسطينية.
وفي ما يتعلق بالمواقف السياسية التي رافقت توقيف دبور، أشار بولس إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري و الرئيس السابق للحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط تحركا للدفاع عنه ومحاولة منع تسليمه إلى السلطة الفلسطينية. وربط بولس هذا الموقف بطبيعة العلاقة التي يقول إنها كانت قائمة بين دبور وبعض القوى اللبنانية، معتبراً أن الرجل كان يؤدي أدواراً سياسية وأمنية تتقاطع مع مصالح هذه الجهات، وأن ما يجري اليوم قد يكون مرتبطاً بما يمكن أن تكشفه التحقيقات في حال تسليمه إلى السلطة الفلسطينية.
واعتبر بولس أن المسألة، وفق تقديره، لا تتعلق بحماية دبور من الناحية الشخصية، بل بما يمكن أن يحصل في حال تسليمه وخضوعه للتحقيق أمام السلطات الفلسطينية، لافتاً إلى أن انتقال الملف إلى القضاء الفلسطيني قد يؤدي إلى كشف تفاصيل إضافية حول علاقاته وشبكة المصالح التي ارتبط بها، سواء في الملفات المالية أو في النشاطات السياسية والأمنية التي تحدث عنها.
ورأى أن منع التسليم قد يحول دون الوصول إلى هذه المعلومات، خصوصاً إذا توسعت التحقيقات لتشمل أشخاصاً آخرين، مشيراً إلى أن ما يمكن أن ينكشف لا يقتصر على الأموال أو السرقات التي تحدث عنها، بل قد يطال أيضاً السياسات التي كان دبور يعمل عليها في لبنان، والعلاقات التي سمحت له بلعب هذا الدور بعيداً عن توجهات السلطة الفلسطينية، وفق قراءته.
أما في ما يتعلق بالمسار القضائي، فاعتبر بولس أن محاكمة دبور في لبنان ليست بالضرورة الخيار الأنسب، محذراً من أن التجاذبات السياسية المحيطة بالقضية قد تؤثر في مسارها. وشدد، في الوقت نفسه، على أن القضاء اللبناني يجب ألا يرضخ لأي ضغوط أو تدخلات سياسية، وأن يتعامل مع الملف وفق الأصول القانونية، بعيداً عن الحسابات السياسية.
وفي هذا الإطار، رأى بولس أن دبور، باعتباره مواطناً فلسطينياً، وبما أن السلطة الفلسطينية هي الجهة التي تلاحقه وتمتلك الملفات المتعلقة بالقضية، فإن محاكمته أمام القضاء الفلسطيني، وفق القوانين الفلسطينية، قد تكون الطريق الأنسب لحسم الملف، معتبراً أن إبقاءه في لبنان ومحاكمته هنا قد يتحول، في حال خضوع القضية للتجاذبات السياسية، إلى حماية له بدلاً من أن يكون وسيلة لكشف كامل الوقائع.
في النهاية، يبقى مصير أشرف دبور مرتبطاً بالقرار الذي سيُتخذ بشأن تسليمه، لكن الأهم أن تصل الملاحقة إلى نهايتها، وأن تكشف التحقيقات حقيقة الملفات وجميع المتورطين معه. فبعد كل الجدل السياسي والقضائي الذي رافق القضية، تبقى المحاسبة هي المعيار الذي يجب أن يحسمها.