August 05, 2026   Beirut  °C
أمن - قضاء

بعد اتساع رقعة السرقات في بيروت... وضاح صادق: لا يمكن تبرير الانفلات الأمني بذريعة نقص الإمكانات

وكأن ما يرزح تحته أهالي العاصمة بيروت من أعباء اقتصادية واجتماعية ومعيشية، بفعل الأزمة المالية التي تضرب لبنان منذ عام 2019، لم يعد كافيًا، حتى انضم إليه هاجس أمني متفاقم يلاحقهم يوميًا، ويغذي مخاوفهم من أن تتحول أحياؤهم وشوارعهم إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية بوسائل عسكرية.

وقد تجسد هذا القلق بوضوح مع اكتشاف مستودع للأسلحة والمتفجرات والخرائط في منطقة رأس النبع، في واقعة توحي بأن ما كُشف قد لا يكون سوى واحد من عشرات المستودعات غير المكتشفة المنتشرة داخل الأحياء السكنية في بيروت.


ولا يقف هاجس أبناء العاصمة عند هذا الحد، إذ باتت مدينتهم أيضًا مرتعًا للسارقين والنشالين والعصابات المسلحة، التي تنشط ليلًا، وأحيانًا في وضح النهار، حتى أصبح التجول في شوارع بيروت، ولا سيما في ساعات المساء، مصدر قلق وخوف دائمين بالنسبة إلى كثير من سكانها.


ولا يخفى على أحد أن العاصمة شهدت خلال الفترة الأخيرة، ولا تزال، تصاعدًا ملحوظًا في معدلات الجريمة، مع تكرار عمليات السرقة التي تستهدف المنازل والممتلكات الخاصة، ولا سيما الدراجات النارية، فضلًا عن تزايد عمليات السلب بقوة السلاح.


وأمام هذا الواقع، يشعر أهالي بيروت بأنهم تُركوا لمصيرهم، فيما يتساءلون عن دور وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية في ضبط هذا الفلتان الأمني المتفاقم، ووضع حد لحالة الانفلات التي تتسع يومًا بعد يوم.


ويطلق البيارتة صرختهم الممزوجة بالخوف والاستنكار: خوفًا على ممتلكاتهم وجنى أعمارهم من عصابات وقطاع طرق بات كثير منهم معروفين، من دون أن يُردعوا، واستنكارًا لتقاعس الجهات المعنية عن أداء واجبها في حماية المواطنين وممتلكاتهم، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بوضع حد لما يعيشه أبناء العاصمة من قلق وانعدام للأمان.


لماذا هذا التقاعس في كشف مرتكبي السرقات التي تعاني منها العاصمة؟ وإلى متى سيبقى المواطن البيروتي يدفع ثمن غياب هيبة الدولة وحزمها في فرض الأمن على أرضها؟


هذا السؤال توجهنا به إلى نائب بيروت وضاح صادق، فأكد أنه لا يمكن تبرير تفاقم ظاهرة السرقات والانفلات الأمني بذريعة نقص الإمكانات، مشيرًا إلى أن الحكومة دخلت مرحلة من الاستقرار، وأنجزت التعيينات الجديدة، ما يفترض أن ينعكس حضورًا أكبر لدوريات الأجهزة الأمنية وكاميرات المراقبة في الشوارع، بهدف حفظ الأمن وملاحقة المجرمين، تجنبًا لتنامي شعور المواطنين بعدم الأمان.


وقال، في حديث عبر منصة "بالعربي"، إن هذا الواقع لا يقتصر على العاصمة بيروت، بل يمتد إلى مختلف المناطق اللبنانية، داعيًا إلى عدم حصر المشكلة بأهالي العاصمة، لأن ضعف التصدي لجرائم السرقة بات ظاهرة عامة تطاول مختلف المناطق، وإن كانت آثارها تبدو أكثر وضوحًا في العاصمة بسبب كثافتها السكانية.


وكشف صادق أنه عايش شخصيًا أكثر من حادثة سرقة، بينها حادثة وقعت أمام أحد الأماكن التي كان موجودًا فيها، موضحًا أن متابعة القضية مع القوى الأمنية كانت صعبة للغاية. وعلى الرغم من تلقيه ردودًا إيجابية من الجهات المعنية، فإن ذلك لم يفضِ إلى أي نتيجة عملية، مضيفًا أن وضعه كنائب يُفترض أن يسهل عملية المتابعة، إلا أنه لم يلمس أي فرق على أرض الواقع.


وأوضح أن القوى الأمنية تثبت قدرتها على التعامل مع الجرائم الكبرى، إذ تتمكن في كثير من الأحيان من كشفها خلال فترة قصيرة، إلا أن جرائم السرقة، برأيه، لا تحظى بالاهتمام والجدية نفسيهما، الأمر الذي يشجع على تكرارها، ويزيد من شعور المواطنين بانعدام الأمان، ويعزز قناعة لدى المرتكبين بإمكان الإفلات من العقاب.


وشدد صادق على أن معالجة هذه الظاهرة تبدأ بتفعيل الدوريات الأمنية وتعزيز انتشارها، إلى جانب تركيب كاميرات مراقبة في الشوارع الرئيسية، معتبرًا أن هذين الإجراءين يشكلان الوسيلة الأكثر فاعلية لكشف السارقين والحد من الجرائم، فضلًا عن تعزيز الشعور بالأمن لدى المواطنين.


ورفض الحديث عن وجود تواطؤ في هذا الملف، مؤكدًا أن المشكلة ترتبط بضعف أداء الأجهزة الأمنية، وليس بوجود إرادة لحماية المرتكبين، مضيفًا أن بيروت، بحكم كونها العاصمة وكثافتها السكانية، تستقطب اهتمامًا أكبر، ما يجعل الجرائم فيها أكثر ظهورًا، كما أن إحاطتها بمناطق يضعف فيها حضور الدولة يسهل فرار السارقين بعد تنفيذ عملياتهم.


واعتبر صادق أن استفحال الجريمة هو نتيجة مباشرة لتراجع هيبة الدولة وضعف تطبيق القانون، مؤكدًا أن استعادة هذه الهيبة تبدأ من فرض النظام في التفاصيل اليومية قبل الملفات الكبرى، مشيرًا إلى أن انتشار مخالفات السير، ولا سيما قيادة الدراجات النارية بعكس الاتجاه، وارتكاب المخالفات أمام أعين بعض عناصر القوى الأمنية من دون محاسبة، يكرس ثقافة الإفلات من العقاب، ويدفع المخالفين إلى التمادي تدريجيًا، لأن التغاضي عن المخالفات الصغيرة يفتح الباب أمام ارتكاب مخالفات أكبر، وصولًا إلى الجرائم.


فتوح: جزء من حرس العاصمة لا يلتزم بالدوام

وبالانتقال إلى دور بلدية بيروت وحرسها البلدي، تحدثت عضو المجلس البلدي رشا فتوح عن تصاعد ظاهرة السرقات في العاصمة، معتبرة أن خطورة المشكلة لم تعد تقتصر على الخسائر المادية، بل باتت تهدد سلامة المواطنين، في ظل تزايد عمليات السرقة التي تُرتكب حتى في وضح النهار.


وقالت، عبر منصة "بالعربي"، إن كثيرًا من المواطنين يعتمدون على دراجاتهم النارية في أعمالهم، ويفاجأون صباحًا بسرقتها، مشيرة إلى أن قيمة المسروقات، سواء كانت كبيرة أم صغيرة، لا تلغي حجم الضرر الذي يلحق بأصحابها، ولا حالة الخوف التي يعيشها سكان العاصمة.


وأوضحت أن بلدية بيروت تعمل، ضمن الإمكانات المتاحة، على تعزيز انتشار حرس البلدية في مختلف المناطق، إلا أن صلاحياتها تبقى محدودة، لأن المسؤولية الأمنية الأساسية تقع على عاتق شرطة بيروت، وذلك بالتنسيق مع قائد الشرطة. ورأت أن الأزمات المتلاحقة التي شهدتها العاصمة، من تداعيات الحرب إلى الأزمة الاقتصادية والمعيشية، أسهمت في ارتفاع معدلات السلب والسرقة، داعية إلى زيادة عديد العناصر الأمنية وتوسيع نطاق انتشارهم، مؤكدة أنها ستعيد طرح هذا الموضوع داخل المجلس البلدي.


وكشفت فتوح أن عديد حرس بلدية بيروت وفوج الإطفاء يبلغ نحو 1100 عنصر، إلا أن عدد حرس البلدية الفعلي يقارب 500 عنصر، مشيرة إلى أن المشكلة لا تكمن في العدد فحسب، بل أيضًا في عدم التزام جميع العناصر بالدوام، الأمر الذي ينعكس سلبًا على قدرة الحرس على تغطية العاصمة، مضيفة أن هذا الواقع يظلم العناصر الملتزمة بواجباتها، في حين أن أسماء المتغيبين معروفة لدى البلدية، وأن عددًا من أعضاء المجلس يشاركونها هذا التقييم.


وأكدت أن عديد الحرس المداومين لا يكفي لتغطية سوى جزء محدود من بيروت، مجددة دعوتها إلى تعزيز انتشار شرطة بيروت، لأن صلاحيات حرس البلدية محدودة، ولا تخولهم تنفيذ التوقيفات إلا وفق الأصول القانونية وبالتنسيق مع القوى الأمنية، معتبرة أن تكثيف الدوريات الأمنية وانتشار العناصر في الشوارع من شأنه أن يعزز شعور المواطنين بالأمان.


ويبقى السؤال الأكبر: إلى متى سيبقى المواطن البيروتي يدفع ثمن هذا التراجع في هيبة الدولة، فيما تتحول شوارع العاصمة إلى مساحة مفتوحة للخوف والقلق؟ فالأمن ليس ترفًا، بل حق أساسي ينتظر أهالي بيروت استعادته عبر حضور فعلي للدولة وفرض القانون على الجميع.