الجنوب تحت النار؛ قرى تتغيّر ملامحها، ومنازل تُدمر، وأرض تُرسَم عليها وقائع جديدة بفعل عمليات الهدم والتجريف. مشهد يثير مخاوف من أن تتحول مناطق واسعة إلى أرض محروقة، وأن يصبح طريق العودة إلى البلدات أكثر صعوبة أمام الأهالي.
الجنوب تحت النار؛ قرى تتغيّر ملامحها، ومنازل تُدمر، وأرض تُرسَم عليها وقائع جديدة بفعل عمليات الهدم والتجريف. مشهد يثير مخاوف من أن تتحول مناطق واسعة إلى أرض محروقة، وأن يصبح طريق العودة إلى البلدات أكثر صعوبة أمام الأهالي.
وبين دمار يتسع وأسئلة تتراكم، يبقى السؤال الأساسي: من يتحمل مسؤولية ما يجري؟ وهل يسلك لبنان المسار القضائي لمواجهة هذه الانتهاكات؟ وإلى أي حد يمكن أن يستمر هذا الواقع قبل أن يفرض تغييرًا جديدًا على الجنوب؟
وفي هذا السياق، قال أستاذ الفكر السياسي في الجامعة اللبنانية، جيرار ديب، إن إسرائيل، في عقيدتها الجيوعسكرية، تعمل دائمًا ضمن حربين: الأولى ذات أهداف تكتيكية، وهذا لا ينطبق على حربها الأخيرة في لبنان، والثانية ضمن إطار الحرب التغييرية، وهو ما يدفعها إلى رفع سقف الاجتياح في سبيل تحقيق أهداف استراتيجية.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن إسرائيل تعمدت، في هذه الحرب، ورغم اتفاق الإطار والتزامها ببنود اتفاق روما، اعتماد سياسة التدمير الممنهج، مشيرًا إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو تتحمّل، في الشكل، مسؤولية استمرار هذا النهج، إلى جانب الضامن الأميركي الذي يوفّر، عمدًا، الغطاء لأفعالها.
وأضاف ديب أن المسؤولية، في المضمون، تقع أيضًا على من فتح باب الإسناد، ومن أطلق الصواريخ الستة في 2 آذار الماضي، في إشارة إلى إيران المتمثلة في لبنان بالحرس الثوري. وقال إن على قيادة حزب الله الالتزام بمقررات الدبلوماسية اللبنانية وتسليم السلاح إلى الجيش اللبناني، لا سيما أن الرئيس جوزاف عون أكد، في أكثر من مناسبة، أن هذا السلاح لن يوقف الاعتداءات الإسرائيلية على المناطق الجنوبية في لبنان.
وعن إمكان رفع شكوى ضد إسرائيل، أوضح ديب أنه حتى لو رُفعت شكاوى إلى مجلس الأمن تتضمن اعتراضًا وإدانة، وجاءت في إطار المطالبة بتحميل إسرائيل، وتحديدًا رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، المسؤولية، فهذا لا يعني بالضرورة أن يصدر عن المجلس قرار رادع بحقها.
وأشار ديب إلى أن تجربة المحكمة الجنائية الدولية خير مثال على ذلك، إذ بدلًا من محاسبة نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، شهدنا كيف فُرضت عقوبات على المدعي العام كريم خان، وهو يواجه اليوم ضغوطًا كبيرة.
وأكد أن ذلك لا يعفي لبنان، ووزارة الخارجية تحديدًا، من القيام بدورها عبر تقديم ورفع دعاوى ضد الانتهاكات والاعتداءات التي ترتكبها إسرائيل بحق القانون الدولي، قبل أن تكون اعتداءات على لبنان.
وعن احتمال ألا يبقى في جنوب لبنان منازل إذا استمر الوضع على حاله، حذر ديب من أن الخطر بات يكمن في سيناريو اندلاع حرب إقليمية واسعة، ما قد ينعكس سلبًا على الجنوب اللبناني.
وقال إن التخوف الحقيقي اليوم يتمثل في عدم انسحاب إسرائيل تحت عنوان "السلاح مقابل الانسحاب"، في ظل رفض حزب الله، بشكل قاطع، تسليم سلاحه.
واعتبر ديب أن ما يزيد المشهد تعقيدًا هو استهداف إيران للبنى التحتية في الدول العربية التي يُفترض أن تكون اللاعب الرئيسي في إعادة الإعمار، ما قد يستنزف قدراتها ويترك لبنان بلا حاضنة عربية أو أوروبية، في وقت قد تشهد فيه حرب أوكرانيا مزيدًا من التصعيد، بما قد يُدخل حلفاء لبنان الأوروبيين في مواجهة أوسع مع روسيا.
وأشار إلى أن هذا الواقع قد يشكل فرصة سانحة أمام إسرائيل لتحقيق أهدافها، وفي مقدمها إقامة منطقة عازلة دائمة في جنوب لبنان، على غرار ما هو قائم في جنوب سوريا أو في قطاع غزة.
في المحصلة، يبقى الجنوب هو من يدفع الثمن الأكبر؛ أهلٌ ينتظرون العودة إلى منازلهم، وقرى تقف بين آثار الدمار وأمل استعادة الحياة من جديد.