لم تكن العقبة الوحيدة أمام العدالة في قضية تفجير مرفأ بيروت هي ضخامة الكارثة، بل أيضًا المسار القضائي الذي تحوّل، على مدى ست سنوات، إلى سلسلة متواصلة من المواجهات القانونية والتجاذبات السياسية والإجرائية. فالقضية التي يُفترض أن تكون قد دخلت مرحلة المحاكمة منذ سنوات، لا تزال حتى اليوم تدور في فلك التحقيق، من دون صدور القرار الظني الذي يشكل البوابة الإلزامية للانتقال إلى المحاسبة.
وخلال هذه السنوات، تبدّل المحقق العدلي، وتعاقبت دعاوى الرد والمخاصمة، واشتدّ الانقسام داخل الجسم القضائي، وتداخلت الاعتبارات القانونية مع الضغوط السياسية، ما جعل التحقيق يتوقف مرارًا، ويؤخر الوصول إلى المرحلة التي ينتظرها أهالي الضحايا واللبنانيون منذ الرابع من آب 2020.
البداية مع القاضي فادي صوان
عقب التفجير، عينت السلطات القاضي فادي صوان محققًا عدليًا في القضية، فباشر تحقيقاته واستجوب عددًا من المسؤولين والموظفين، قبل أن يدّعي، في كانون الأول 2020، على رئيس حكومة تصريف الأعمال آنذاك حسان دياب، والوزراء السابقين علي حسن خليل، وغازي زعيتر، ويوسف فنيانوس، بجرائم الإهمال والتقصير والتسبب بوفاة وإيذاء مئات الأشخاص.
غير أن التحقيق تلقّى أول انتكاسة قضائية في شباط 2021، عندما قررت محكمة التمييز الجزائية نقل الملف من يد صوان، بعد قبول طلب الرد المقدم من الوزيرين السابقين علي حسن خليل وغازي زعيتر، ليُعيَّن القاضي طارق البيطار محققًا عدليًا خلفًا له.
البيطار يوسّع دائرة التحقيق
مع تسلّمه الملف، أعاد القاضي طارق البيطار رسم مسار التحقيق، فوسّع دائرة الادعاءات لتشمل عددًا من الوزراء السابقين، بينهم علي حسن خليل، وغازي زعيتر، ونهاد المشنوق، ويوسف فنيانوس، كما طلب استجواب رئيس الحكومة السابق حسان دياب.
وامتدت الادعاءات إلى مسؤولين أمنيين وعسكريين بارزين، من بينهم المدير العام السابق للأمن العام عباس إبراهيم، والمدير العام السابق لأمن الدولة طوني صليبا، إلى جانب عدد من الضباط والموظفين في إدارة المرفأ والجمارك، في خطوة عكست توجّه التحقيق نحو توسيع نطاق المسؤوليات المحتملة.
دعاوى الرد تشلّ التحقيق
لكن مسار التحقيق لم يستمر بالوتيرة نفسها، إذ اصطدم بعراقيل قانونية وسياسية متلاحقة. فقد امتنع مجلس النواب عن رفع الحصانة عن عدد من المدعى عليهم، ولم تُمنح الأذونات اللازمة لملاحقة بعض المسؤولين الأمنيين، فيما انهالت دعاوى الرد والمخاصمة وطلبات كفّ اليد، فتوقف التحقيق مرات عدة، ودخل في حالة شلل استمرت لفترات طويلة.
وأصبحت دعاوى الرد إحدى أبرز الأدوات التي عطّلت التحقيق، إذ لم يتمكن المحقق العدلي من متابعة إجراءاته بصورة متواصلة، ما أدى إلى تجميد الملف في أكثر من محطة.
أزمة غير مسبوقة داخل القضاء
وفي كانون الثاني 2023، حاول البيطار استئناف تحقيقاته مستندًا إلى اجتهاد قانوني، ووسّع دائرة الادعاءات لتشمل المدعي العام التمييزي آنذاك، القاضي غسان عويدات، وعددًا من الأشخاص الآخرين.
إلا أن هذه الخطوة فجّرت مواجهة غير مسبوقة داخل السلطة القضائية، بعدما ردّ عويدات بالادعاء على البيطار، وأصدر قرارًا بإخلاء سبيل جميع الموقوفين في القضية، ما عمّق الانقسام داخل الجسم القضائي، وأعاد الملف إلى دائرة الجمود.
ضغوط سياسية
بالتوازي مع التعقيدات القضائية، واجه البيطار اعتراضات سياسية متصاعدة، كان أبرزها موقف حزب الله الذي اتهمه بتسييس التحقيق وطالب بتنحيته، كما أثير جدل واسع حول الضغوط التي تعرّض لها خلال توليه الملف، وهو ما انعكس على مسار التحقيق طوال السنوات الماضية.
أين أصبح الملف اليوم؟
وبعد ست سنوات على التفجير، لم يصدر القرار الظني بعد، ولا يزال الملف لدى النيابة العامة التمييزية لإبداء مطالعتها بالأساس، تمهيدًا لإعادته إلى المحقق العدلي القاضي طارق البيطار لإصدار قراره الظني.
ويبلغ عدد المدعى عليهم في القضية نحو سبعين شخصًا، بينهم مسؤولون سياسيون وقادة أمنيون وعسكريون وموظفون في إدارات رسمية، فيما لا يوجد حاليًا أي موقوف في السجون اللبنانية على ذمة هذا الملف.
وبينما يترقب أهالي الضحايا صدور القرار الظني، يبقى التحقيق، بعد ست سنوات على الكارثة، في مرحلة مفصلية. فهذه الخطوة لن تعني نهاية القضية، بل ستكون بداية المسار القضائي الفعلي أمام المجلس العدلي، بعد سنوات طويلة من التحقيقات والتعطيل والتجاذبات التي أخّرت الوصول إلى العدالة.