لطالما شكل قطاع الاتصالات في لبنان محور انتقادات واسعة، في ظل ارتفاع كلفة خدمات الهاتف والإنترنت مقارنة بعدد من دول المنطقة، مقابل أداء لا يرقى إلى تطلعات المشتركين. فلا تزال سرعات الإنترنت وجودة الخدمة موضع شكاوى متكررة، في وقت تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي عالميا.
ومع تجدد الحديث أخيرا عن قرب إطلاق خدمة الجيل الخامس (5G)، تتجه الأنظار إلى مدى قدرتها على إحداث نقلة فعلية في قطاع طالما أثارت خدمات الجيلين الثالث (3G) والرابع (4G) علامات استفهام بشأن كفاءتها واستقرارها.
فهل ينجح لبنان هذه المرة في تجاوز إخفاقات الماضي، أم أن إطلاق التقنية الجديدة سيبقى مجرد عنوان لا ينعكس تحسنا ملموسا على تجربة المستخدم؟
وفي هذا الإطار، أكدت مصادر في وزارة الاتصالات أن خدمة الجيل الخامس (5G) ستصبح واقعا في لبنان اعتبارا من شهر أيلول المقبل، مع إطلاق المرحلة الأولى التي تشمل تشغيل 150 محطة، بواقع 75 محطة لكل من شركتي "ألفا" و"تاتش"، موضحة أن عددا من المحطات الموجودة مسبقا خلال زيارة البابا سيدخل الخدمة. وأشارت إلى أن هذه الخطوة تمثل بداية المشروع وليست استكمالا لتغطية الأراضي اللبنانية بالكامل.
وشددت عَبرَ مِنصة "بالعربي" على أن الوصول إلى تغطية شاملة بخدمة 5G يتطلب إنشاء نحو 900 محطة، وهو مشروع متكامل يمتد على مدى يقارب 3 سنوات، لافتة إلى أن الفارق بين الجيل الخامس والجيلين الثالث والرابع هو فارق جوهري، إذ إن الجيل الثالث كان يركز بصورة أساسية على خدمات الصوت والمكالمات، بينما أتاح الجيل الرابع استخدام الإنترنت عبر الهاتف المحمول، في حين يشكل الجيل الخامس نقلة نوعية في عالم الاتصالات، لأنه لا يقتصر على ربط الأشخاص ببعضهم البعض، بل يربط أيضا الأشخاص بالأجهزة والمعدات والأنظمة المختلفة.
وقالت المصادر إن تقنية الجيل الخامس تشكل الأساس لما يعرف بإنترنت الأشياء، بما يشمل ربط السيارات، وشبكات الكهرباء والمياه، والزراعة الذكية، والحساسات البيئية، والمصانع، والمؤسسات، والإدارات العامة ضمن منظومة رقمية متكاملة.
وفي ما يتعلق بالفوائد التي ستنعكس على المواطنين، أوضحت أن الجيل الخامس (5G) لا يعني فقط زيادة سرعة الإنترنت، بل يوفر جودة أعلى للاتصال، وسرعة استجابة أكبر، وقدرة أعلى للشبكة على استيعاب أعداد أكبر من المستخدمين والأجهزة في الوقت نفسه، ما ينعكس استقرارا أفضل لخدمات الإنترنت، لا سيما في المناطق التي تشهد ضغطا مرتفعا على الشبكات، مؤكدة أن هذه التقنية ستفتح المجال أمام مجموعة واسعة من الخدمات الرقمية المتطورة، من العمل عن بعد والخدمات الإلكترونية، إلى المدن الذكية، وإدارة حركة المرور، وتطوير قطاعات الزراعة والطاقة والمياه، فضلا عن توسيع نطاق ربط الأجهزة والمعدات الذكية.
وفي ما يتعلق بخطة تطوير الإنترنت، لفتت المصادر إلى أن الأولوية تتركز على استكمال مشروع شبكة الفايبر أوبتيك، الذي انطلق في العام 2019 وكان من المفترض إنجازه في العام 2024، إلا أن جائحة كورونا، والأزمات التي شهدها لبنان، والانهيار الاقتصادي، إضافة إلى عراقيل إدارية، أدت إلى تأخير تنفيذه. وقالت إن وزير الاتصالات شارل الحاج أعاد تحريك المشروع فور تسلمه مهامه، وتجاوزت العقبات الإدارية، لتدخل الخطة حاليا مرحلة التنفيذ الفعلي، كاشفة أن المتعهدين سيباشرون خلال أسابيع قليلة أعمال تمديد شبكة الفايبر أوبتيك، على أن تشمل المرحلة الأولى 25 سنترالا رئيسيا موزعة على مختلف المناطق اللبنانية، على أن تستمر الأعمال نحو سنة ونصف قبل الانتقال إلى المراحل اللاحقة.
وفي ما يخص مستقبل هيئة "أوجيرو"، أكدت أنها تشكل ركنا أساسيا في قطاع الاتصالات، وأن المشكلة لا تكمن في دورها أو في كفاءة العاملين فيها، بل في القيود والإجراءات الإدارية التي تحد من قدرتها على مواكبة التطور السريع الذي يشهده القطاع. وقالت إن قطاع الاتصالات يتطور بوتيرة متسارعة على المستوى العالمي، الأمر الذي يتطلب إطارا أكثر مرونة يسمح باتخاذ القرارات بسرعة وتنفيذ المشاريع واستقطاب الاستثمارات بكفاءة أكبر. وانطلاقا من ذلك، رأت أن مشروع ليبان تيليكوم يشكل خطوة استراتيجية لإعادة تنظيم القطاع وتطويره، وليس بديلا عن أوجيرو، إذ يهدف إلى تعزيز القدرة على الاستثمار، ومواكبة التطور التكنولوجي، ورفع مستوى المنافسة بما يخدم قطاع الاتصالات في لبنان.
وفي وقت يرزح فيه المواطن اللبناني تحت وطأة الأزمات الأمنية والاقتصادية والمعيشية، وتبقى أزمة الكهرباء في صدارة معاناته اليومية، يبدو من البديهي أن يحظى، في مقابل الفواتير المرتفعة التي يدفعها ودخله المحدود، بأبسط حقوقه في خدمات اتصالات وإنترنت سريعة وموثوقة تواكب متطلبات العصر، بعدما بات هذا الحق من أساسيات الحياة اليومية لأي مواطن في العالم، لا ترفا ولا امتيازا.