بعد استدعاء حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة للمثول أمام النيابة العامة التمييزية، تغيب مجددا عن جلسة التحقيق متذرعا بوضعه الصحي، وليست المرة الأولى التي يحول فيها هذا السبب من دون حضوره أمام القضاء. ومع تبين وجوده داخل مستشفى بحنّس، اتخذت الإجراءات القضائية بحقه منحى جديدا، قبل أن ينقل لاحقا إلى سجن رومية تنفيذا للقرار القضائي، فيما يواصل القضاء تحقيقاته في الملف الذي فتح على خلفية إخبار قدمه حاكم مصرف لبنان الحالي كريم سعيد.
فما الذي كشفته التحقيقات حتى الآن؟ وأين أصبح ملف رياض سلامة قضائيا؟ وما هي الخطوات التي تنتظره بعد انتهاء مرحلة التحقيقات؟
في هذا السياق، أكدت الصحافية المتخصصة في الشؤون القضائية فرح منصور أن استدعاء حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة جاء بناء على إخبار كان قدمه حاكم مصرف لبنان الحالي كريم سعيد، ويتعلق بوجود شبهات حول عمولات وعقود وصفت بالمشبوهة أبرمت خلال ولاية سلامة، وتقدر قيمتها بملايين الدولارات، مشيرة إلى أن الملف يتناول أيضا دور سمير حنا، الذي كان يشغل منصبا في بنك عوده.
وأوضحت عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن التحقيقات انطلقت على هذا الأساس، فاستُجوب سمير حنا، فيما كان رياض سلامة يتغيب في كل مرة عن جلسات التحقيق بحجة وضعه الصحي. وقالت إن المحامية العامة التمييزية القاضية سمرندا نصار انتقلت في إحدى المرات إلى منزل سلامة، حيث استجوبته هناك ثم غادرت.
وأشارت منصور إلى أنه كان من المفترض، في نهاية شهر تموز، اتخاذ القرار بإعادة الملف بعد انتهاء التحقيقات، على أن يحضر كل من رياض سلامة وسمير حنا، لافتة إلى أن حنا حضر التحقيق، فما تعذر حضور سلامة مجددا بحجة المرض، ما دفع دورية من شعبة المعلومات والمباحث الجنائية المركزية إلى التوجه إلى منزله في الصفرا لتنفيذ مذكرة إحضار صادرة بحقه عن النيابة العامة التمييزية، إلا أن أحدا لم يفتح الباب لعناصر الدورية. وقالت إن القضاء كان بانتظار معرفة ما إذا كان سلامة سيتجاوب، وفي حال عدم تجاوبه كان من الممكن إعطاء الإشارة لاقتحام المنزل.
أضافت إن الملف موجود حاليا لدى النيابة العامة التمييزية، التي يفترض أن تختتم التحقيقات وتحيله إلى النيابة العامة الاستئنافية تمهيدا للادعاء على رياض سلامة، موضحة أنه بعد تغيبه عن الجلسة، على الرغم من الإشارة إلى أنه كان في طريقه إلى القضاء قبل أن يتعرض لعارض صحي، نُظم بلاغ بحث وتحر بحقه، وعمم على مختلف الأجهزة الأمنية.
وكشفت منصور أنه بعدما تبين في آخر مراجعة لدى القضاء أن رياض سلامة موجود في مستشفى بحنس، حيث كان يقيم سابقا، توجهت المباحث الجنائية إلى المستشفى، وأصبح عمليا موقوفا داخله إلى أن تُؤكد أن حالته الصحية تسمح بإخراجه، لينقل بعدها إلى سجن رومية، مؤكدة أن التحقيقات لا تزال سرية، وبالتالي لا يمكن الجزم بما كشفته حتى الآن، إلا أن تسطير بلاغ البحث والتحري وتنفيذ مذكرة الإحضار يعكسان وجود شبهات جدية، لا سيما بعد استجواب كل من رياض سلامة وسمير حنا. ورأت أن مسار الإجراءات القضائية يدل على وجود شبهات كبيرة بحقهما، وإلا لما اتخذت هذه التدابير.
كما أشارت إلى أن القضاء ألزم سمير حنا بتقديم كفالة مالية بقيمة مليون دولار، على أن يسددها بحلول اليوم، وإلا سيصار إلى توقيفه، معتبرة أن قيمة الكفالة المرتفعة تعكس جدية الشبهات التي يحقق فيها القضاء.
ورأت منصور أن رياض سلامة سيبقى، في المرحلة الحالية، موقوفا إلى حين انتقال الملف إلى النيابة العامة الاستئنافية، حيث سيحال لاحقا إلى قاضي التحقيق، الذي يتوقع أن يصدر مذكرة توقيف بحقه، لتبدأ بعدها جلسات التحقيق والاستجواب، قبل أن يتخذ القرار القضائي المناسب، سواء بإخلاء سبيله أو باستمرار توقيفه وإحالته إلى المحكمة، وفقا لما ستخلص إليه مجريات التحقيق.
ويبقى المسار القضائي للقضية مرتبطا بما ستكشفه التحقيقات في المراحل المقبلة، وبما سيقرره القضاء بعد انتهاء الإجراءات الأولية، سواء لناحية الادعاء أو استكمال الملاحقات بحق رياض سلامة. ومع بقاء مضمون التحقيقات سريا، فإن التدابير التي اتخذت بحقه تعكس جدية الملف ووجود شبهات قيد المتابعة، من دون أن تشكل حكما مسبقا قبل صدور القرار القضائي النهائي.