July 31, 2026   Beirut  °C
أمن - قضاء

قاسم يوسف: كشف شبكة اتصالات الحزب أثبت حجم تراجعه

بين 7 أيار 2008 و29 تموز 2026، يعود ملف شبكة اتصالات حزب الله إلى الواجهة، لكن المشهد هذه المرة مختلف.

ففي عام 2008، اجتاح الحزب بيروت بعدما اعتبر قرار الحكومة المساس بشبكة اتصالاته تجاوزًا لـ"خط أحمر". أما اليوم، وبعد كشف القوى الأمنية شبكة اتصالات أرضية تمتد بمحاذاة خطوط الكهرباء في العاصمة، فقد مر الحدث من دون أي رد فعل ميداني من الحزب.

هذا التحول يثير أسئلة لا يمكن تجاهلها: هل تبدلت موازين القوى بعد الحرب الأخيرة؟ ولماذا أُنشئت شبكة اتصالات سرية في قلب بيروت وبين أحيائها السكنية؟ وهل جاء تمديدها بالتزامن مع مشاريع الكهرباء مصادفة، أم أن الأمر يستدعي تحقيقًا يكشف حقيقة ما جرى والمسؤوليات المترتبة عليه؟


وبين الأسئلة والوقائع، يبقى الثابت أن الدولة وضعت يدها على أحد أكثر الملفات حساسية منذ أحداث 7 أيار.


وتعليقًا على تلك التطورات، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي قاسم يوسف أن اكتشاف السلطات الأمنية اللبنانية خط اتصالات تابعًا لحزب الله وممدودًا تحت الأرض بمحاذاة شبكة الكهرباء في بيروت يشكل دليلًا إضافيًا على تراجع نفوذ الحزب سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا، رابطًا بين هذه الواقعة وما جرى في أحداث 7 أيار عام 2008، حين اجتاح الحزب بيروت ردًا على قرار حكومة الرئيس فؤاد السنيورة آنذاك المتعلق بشبكة اتصالاته الخاصة.


وقال، عبر منصة "بالعربي"، إن الفارق بين المرحلتين كبير جدًا، إذ إن حزب الله كان في عام 2008 يتعامل مع الدولة اللبنانية والحكومة والجيش والأجهزة الأمنية بفوقية مطلقة، باعتباره صاحب القرار الوحيد في البلاد، وتمكن آنذاك من فرض تراجع الحكومة عن قرارها بعد استخدام القوة العسكرية، فيما يلتزم اليوم الصمت إزاء الإجراءات التي تتخذها الدولة بحق شبكاته، في مؤشر واضح، بحسب تعبيره، إلى حجم التراجع الذي أصابه خلال الأعوام الأخيرة.


وأوضح يوسف أن الحزب تعرض لانكسار كبير، ولم يعد يمتلك القدرة التي كان يتمتع بها سابقًا في التحكم بالواقع السياسي اللبناني أو الإمساك بالقرار الوطني، معتبرًا أن انتخاب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وتكليف الرئيس نواف سلام تشكيل الحكومة، شكلا بداية مرحلة جديدة انتهت إلى حظر حزب الله بالمعنى العسكري والأمني، الأمر الذي أفقده القدرة على فرض إرادته على مؤسسات الدولة كما كان يفعل في السابق. وأضاف أن حزب الله أصبح، وفق رؤيته، حزبًا فاقدًا لسلطته السابقة على الأرض، وأن مسار استعادة الدولة لصلاحياتها وسيادتها يتقدم تدريجيًا، مشيرًا إلى أن قضية شبكة الاتصالات الخاصة بالحزب تعد من أبرز مظاهر الاعتداء على صلاحيات الدولة، لا سيما أنها تمتد بمحاذاة شبكات الكهرباء والبنى التحتية الرسمية، بما يشكل تعديًا على اختصاص المؤسسات الشرعية.


وفي معرض حديثه عن أسباب استمرار الحزب في تنفيذ مثل هذه الأعمال داخل الأحياء السكنية في بيروت، قال يوسف إن الحزب اعتاد طوال سنوات التصرف من دون أي اعتبار للدولة أو لمؤسساتها، ولم يكن يقيم وزنًا لأحد، سواء في العاصمة أو في مختلف المناطق اللبنانية، مذكرًا بأنه لم يكتف بفرض سيطرته الأمنية، بل تدخل أيضًا في تعيين رؤساء الحكومات ورؤساء الجمهورية، واعتدى على الحياة السياسية وعلى المواطنين في بيروت وغيرها.


وأشار إلى أن الحزب كان، حتى وقت قريب، يرد على أي قرار سياسي أو تطور لا ينسجم مع مصالحه عبر استعراضات الدراجات النارية ومظاهر القوة في شوارع بيروت، معتبرًا أن العاصمة دفعت الثمن الأكبر نتيجة تغول الحزب على مؤسسات الدولة، بحكم كونها مركز القرار السياسي والإداري في لبنان.


وفي تقييمه لأداء الدولة اللبنانية والأجهزة الأمنية، وصف يوسف الأداء بأنه ممتاز حتى الآن، لكنه دعا إلى مزيد من الحزم في تطبيق القانون، لا سيما من قبل الجيش اللبناني والقوى الأمنية، مؤكدًا أنه لا يدعو إلى صدام مباشر أو إلى توتر أهلي أو حرب أهلية، وإنما إلى تمسك الدولة بقرارها، وعدم التهاون في ضبط الأمن، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، ووضع حد لما وصفه بخروج حزب الله عن سلطة الدولة والقانون.


وتطرق يوسف إلى الحملات التي تستهدف المسؤولين الأمنيين وكل من يتخذ إجراءات بحق حزب الله، معتبرًا أن اتهامهم بالعمالة أو التخوين لم يعد يؤثر في الرأي العام اللبناني كما كان في السابق، مشيرًا إلى أن هذه الأساليب اعتمدها الحزب لسنوات بهدف ترهيب خصومه السياسيين.


وأكد أن مجمل التطورات التي شهدها لبنان أظهرت، من وجهة نظره، أن الاتهامات التي يوجهها حزب الله إلى معارضيه لم تعد تلقى قبولًا لدى اللبنانيين، معتبرًا أن الحزب هو من ألحق الضرر الأكبر ببيئته الحاضنة وبالطائفة الشيعية، نتيجة ربط قراراته ومصالحه بأجندات خارجية، على حد تعبيره.


وعليه، فإن ما كان يُفرض بقوة السلاح والتهويل لم يعد قادرًا على الصمود أمام سلطة الدولة. فشبكات الاتصالات السرية، وسلاح الأمر الواقع، وسياسة التخوين والترهيب، لم تعد تحجب حقيقة أن مشروع حزب الله يواجه تراجعًا غير مسبوق. ومع كل خطوة تتخذها المؤسسات الشرعية، تتكرس معادلة جديدة عنوانها استعادة الدولة سيادتها الكاملة، وإنهاء زمن الدويلة التي وضعت مصالحها فوق مصلحة لبنان واللبنانيين.