لم تعد التفجيرات الضخمة في جنوب لبنان تقاس فقط بحجم الدمار أو بقوة دويها، بل باتت ترصد أيضا عبر الموجات الأرضية التي تلتقطها محطات رصد الزلازل. فكل انفجار كبير يفتح باب التساؤلات حول طبيعة هذه الاهتزازات، وما إذا كانت تبقى مجرد موجات ناتجة عن التفجير، أم أنها قد تحمل تأثيرات أبعد على البنية الجيولوجية المحيطة. وبعد تسجيل محطات الزلازل هزات أرضية مرتبطة بتفجيرات كبيرة في مناطق عدة، عاد النقاش إلى الواجهة حول حدود تأثير هذه الانفجارات، لا سيما عندما تقع بالقرب من فوالق نشطة.
ومع الحديث عن تفجيرات محتملة قرب قلعة الشقيف، تتجه الأنظار إلى منطقة ذات حساسية جيولوجية، حيث يمر فالق روم، وسط تساؤلات علمية حول مدى قدرة هذه الانفجارات على التأثير في الفوالق الزلزالية.
وفي هذا السياق، أوضح الأستاذ المحاضر والباحث في الجيولوجيا وعلم الزلازل الدكتور طوني نمر أن أي تفجير يولد ارتجاجات أرضية تعد عمليا نوعا من الموجات الزلزالية التي يمكن لأجهزة الرصد التقاطها، مشيرا إلى أن قوة هذه الارتجاجات ترتبط بحجم التفجير، فكلما كانت التفجيرات أكبر، كانت الموجات الزلزالية الناتجة عنها أقوى، ما يفسر تسجيلها في عدد من المناطق اللبنانية، وليس فقط في محيط مواقع التفجير.
أما عن مدى امتداد تأثير هذه التفجيرات، فأكد عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن العامل الأساسي يبقى مرتبطا بموقعها بالنسبة إلى الفوالق الزلزالية، لافتا إلى أن قرب التفجيرات من هذه الفوالق يزيد احتمال تأثرها، فيما يتراجع هذا التأثير كلما زادت المسافة الفاصلة.
وأوضح نمر أن تأثر الفوالق الجيولوجية والزلزالية بالتفجيرات أمر ممكن ومثبت علميا، خصوصا عندما تكون هذه التفجيرات قريبة منها، مشيرا إلى أن هذا الأمر يحصل عبر مسارين: الأول نتيجة الضغوط التي يولدها الانفجار، والتي قد تغير حالة الإجهاد على الفالق وتستحث حركته، والثاني بفعل الموجات الزلزالية الناتجة عن الانفجار، والتي تنتشر في باطن الأرض وقد تؤدي، عند وصولها إلى الفالق، إلى تحفيز حركته.
وشدد على أن حجم التأثير يبقى مرتبطا بعدة عوامل، أبرزها قوة التفجير، وطبيعة المنطقة الجيولوجية، ومدى قربها من الفالق، مؤكدا أن وجود تفجيرات فوق فالق زلزالي أو بالقرب منه يستدعي الحذر. واستشهد بمنطقة قلعة الشقيف، التي تقع ضمن نطاق جيولوجي تمر فيه فوالق أبرزها فالق روم.
ولفت نمر إلى أن ذلك لا يعني أن حدوث هزة أرضية يصبح أمرا حتميا، إلا أن احتمال استحثاث حركة الفالق يبقى قائما، ما يجعل تجنب التفجيرات في مثل هذه المواقع الخيار الأكثر أمانا.
وقال إن الصعوبة تكمن في التنبؤ بسلوك الفالق بعد تحفيز حركته، إذ إن تطور هذه الحركة وتوقيتها وقوتها تبقى عوامل يصعب تحديدها مسبقا، وقد تؤدي، في ظروف معينة، إلى هزات أرضية تشبه من حيث طبيعتها تلك الناتجة عن النشاط الزلزالي الطبيعي.
فما بين انفجار يسمع فوق الأرض وموجات تتحرك في أعماقها، يبقى السؤال مفتوحا: هل نحن أمام اهتزازات عابرة، أم أن هذه التفجيرات قد تحمل تأثيرا أعمق في فوالق نشطة تحت الأرض؟ الإجابة تبقى رهن العلم والقياسات الزلزالية.