بعد سنواتٍ من النقاش والعمل على مشروع قانون الإعلام، ومع تعاقب أكثر من وزير إعلام على متابعته، لا يزال المشروع يشق طريقه داخل اللجان النيابية، في محاولة للوصول إلى تشريع جديد يواكب التحولات التي شهدها القطاع الإعلامي وينظم العمل الصحافي والإعلامي. إلا أن القانون لم يُقر بعد، في ظل استمرار النقاش حول عدد من مواده، ولا سيما تلك المتعلقة بالعقوبات الجزائية.
ومع إعادة النظر في بعض البنود وإدخال تعديلات عليها، يبقى الجدل قائمًا حول الصيغة النهائية التي سيخرج بها القانون، بين الحاجة إلى تحديث التشريعات وحماية حرية الصحافة من جهة، وتنظيم المهنة في ظل التغيرات التي فرضها الإعلام الرقمي من جهة أخرى. فأين أصبح مشروع قانون الإعلام؟ وهل اقتربت ولادته بعد سنوات من الانتظار؟
سعيد الأسمر: قانون الإعلام ليس مثاليًا… لكنه الأفضل الممكن
وفي هذا الإطار، أكد عضو لجنة الإعلام والاتصالات النيابية، النائب سعيد الأسمر، أن قانون الإعلام سلك مسارًا طويلًا داخل المجلس النيابي، وتعاقب عليه أكثر من وزير إعلام، إذ كان يُسحب في أكثر من مرحلة لإدخال تعديلات وملاحظات جديدة قبل إعادة طرحه، كما جرى العمل عليه بالتعاون مع جهات دولية، بينها منظمة اليونسكو، للوصول إلى قانون عصري يواكب التطورات التي شهدها القطاع الإعلامي.
وأشار إلى أن المشروع المطروح اليوم ليس قانونًا مثاليًا، لكنه أفضل الممكن، لأن انتظار قانون يرضي الجميع سيؤدي إلى استمرار العمل بالقانون الحالي الذي لم يعد يواكب التطور الإعلامي، معتبرًا أن إقرار قانون جديد بات ضرورة للمؤسسات الإعلامية والإعلاميين.
وأوضح الأسمر أن أبرز الاعتراضات تمحورت حول المواد الجزائية، لافتًا إلى أن التعديلات لم تقتصر على لجنة الإعلام والاتصالات، بل شملت أيضًا وزارة الإعلام، قبل أن تُحال هذه البنود إلى لجنة الإدارة والعدل بحكم اختصاصها، حيث أُعيد النظر في عدد من الصياغات بعد تسجيل ملاحظات عليها.
وبين أن هناك وجهة نظر تدعو إلى حصر ملاحقة الإعلاميين بمحكمة المطبوعات، وألا يُحال الصحافي إلى القضاء الجزائي بسبب رأيه، ما دام لا يمس الأمن أو السلم الأهلي أو يحرض على الفتنة، بالتوازي مع ضرورة وضع ضوابط للإعلام الإلكتروني والمنصات الرقمية، بعدما أصبح كثيرون يدعون ممارسة العمل الإعلامي ويستخدمون هذه المنصات للتحريض أو إثارة النعرات أو لأهداف لا تمت إلى العمل الإعلامي بصلة، مشددًا على ضرورة حماية الإعلاميين الحقيقيين وتنظيم هذا الواقع الجديد.
وأضاف أن معظم الملاحظات أُخذت بعين الاعتبار، وما تبقى هو استكمال التعديلات تمهيدًا لإحالة القانون إلى الهيئة العامة، مؤكدًا وجود إصرار من الحكومة والنواب، ولا سيما وزير الإعلام بول مرقص، على إنجاز هذا القانون بعد سنوات طويلة من بقائه في أدراج المجلس النيابي.
وأوضح أن المرحلة المقبلة ترتبط باستكمال عمل اللجان، قبل أن يعود تحديد موعد مناقشته وإقراره إلى هيئة مكتب مجلس النواب ورئيسه نبيه بري، مشددًا على أن إقرار القانون لا يعني إقفال باب التعديلات، إذ يمكن للمجلس النيابي إعادة النظر في أي ثغرات قد تظهر خلال التطبيق، معتبرًا أن الاستمرار من دون قانون إعلام عصري يشكل، برأيه، "جريمة بحق الإعلام".
بسام أبو زيد: حرية التعبير لا تعني التحريض أو التخوين
من جهته، أكد رئيس "نادي الصحافة"، الإعلامي بسام أبو زيد، أن النقاش الدائر حول قانون الإعلام الجديد يشكل خطوة إيجابية، لأن أي ملاحظات أو اعتراضات تسهم في الوصول إلى قانون أفضل، وتسلط الضوء على الثغرات الموجودة فيه، بما يتيح للنواب معالجتها قبل إقراره.
واعتبر أن لبنان بحاجة إلى قانون ينظم المهنة ويعيد الإعلام إلى المسار الذي كان عليه، ليستعيد دوره في تكوين الرأي العام والعمل لمصلحة لبنان، مشددًا على ضرورة أن يوفر القانون حماية للصحافي من أي ملاحقات قضائية على خلفية عمله المهني أو رأيه أو الأفكار التي يطرحها، لأن ملاحقة الصحافي بسبب التعبير عن رأيه أمر غير مقبول.
وأضاف، عبر منصة "بالعربي"، أن حرية التعبير لا تعني السماح بالتحريض أو التخوين أو إثارة الانقسامات أو الإساءة إلى الآخرين، معتبرًا أن مثل هذه الممارسات لا تدخل في إطار العمل الصحافي، وقد تستوجب المساءلة.
وأشار إلى أن المشكلة لا تقتصر على وجود قانون يحمي الصحافي، بل تكمن أيضًا في وجود دولة تطبق القوانين على الجميع وتحترم الرأي الآخر، لافتًا إلى أن هناك قوى في لبنان لا تزال لا تتقبل الرأي المخالف، فيما شهد البلد استهداف صحافيين بسبب آرائهم، وسقوط آخرين خلال ممارستهم مهنتهم، ما يجعل الحماية الفعلية للإعلاميين ضرورة لا تقل أهمية عن الحماية القانونية، لأن لبنان، بحسب تعبيره، لا يمكن أن يستمر من دون حرية الرأي والتعبير.
وفي الخلاصة، يبدو أن مشروع قانون الإعلام بات في مراحله الأخيرة قبل الإقرار. ومع استمرار إدخال بعض التعديلات للوصول إلى صيغة نهائية تحظى بأوسع توافق ممكن، يبقى التحدي في إقرار قانون عصري ينظم القطاع، ويحافظ في الوقت نفسه على حرية الصحافة والتعبير.