يشهد لبنان سنويا عشرات الهزات الأرضية الخفيفة، في إطار نشاط زلزالي طبيعي يميز المنطقة، نتيجة وقوعه ضمن نطاق جيولوجي نشط يرتبط بالصدع التحويلي للبحر الميت. وتشير المعطيات العلمية إلى أن معظم هذه الهزات تتراوح شدتها بين درجتين و4 درجات على مقياس ريختر، وغالبا ما تمر دون أضرار مادية تذكر، على الرغم من شعور السكان بها في بعض المناطق القريبة من مراكزها. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل حول ما إذا كانت هذه الهزات ترتبط بتوقيت معين، أو ما إذا كان لارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر أي تأثير عليها، أم أن الأمر يعود بالكامل إلى عوامل جيولوجية عميقة لا صلة لها بالظروف المناخية السطحية.
ومن هذا المنطلق، قال الاستشاري في الدراسات الجيولوجية والبيئية الدكتور محمد خولي إن مسألة توقيت الهزات الأرضية في لبنان تطرح ضمن مدرستين علميتين لدى الخبراء؛ الأولى تشير إلى وجود نظامين زلزاليين تاريخيين يضربان لبنان، الأول يتكرر كل 40 إلى 50 سنة، والثاني يمتد على فترات تتراوح بين 300 و350 سنة، موضحا أنه، تاريخيا، عند العودة إلى الزلازل والهزات الأرضية الكبرى التي ضربت لبنان، يتبين أن مسألة التوقيت قد تكون صحيحة في بعض الحالات وغير دقيقة في حالات أخرى، ما يعني أنها ليست قاعدة ثابتة يمكن الاعتماد عليها دائما.
وقال عَبرَ مِنصة "بالعربي" إن المدرسة العلمية الثانية لا ترى دقة في هذه الفرضية، ولا تعتبرها مثبتة علميا، وبالتالي لا يمكن الجزم بوجود توقيت محدد ومعتمد لحدوث الزلازل.
أما في ما يتعلق بتأثير ارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر على النشاط الزلزالي، فأكد خولي أنه لا توجد أي علاقة بينهما، لا من قريب ولا من بعيد، موضحا أن درجات الحرارة ترتبط بالنظام المناخي الذي يقع فوق سطح الأرض، في حين أن الزلازل والهزات الأرضية ناتجة عن تحركات وتفاعلات داخل طبقات الأرض، وبالتالي لا يوجد أي ارتباط بين الظاهرتين.
وقال إن قوة الهزات الأرضية تعتمد على طبيعة التحرك داخل طبقات الأرض، فكلما كان هذا التحرك أكثر عنفا، ازدادت قوة الهزة، وقد تصل إلى مستوى يصنف زلزالا.
أما بالنسبة للطبيعة الجيولوجية في لبنان، ووفقا لتاريخ الهزات الأرضية والزلازل المسجلة، فأشار خولي إلى أن النشاط الزلزالي في لبنان عموما لا يتجاوز في شدته حدودا قصوى تقدر بنحو 7.5 درجات، وذلك من منظور تاريخي وجيولوجي، موضحا أن هذا المعطى يجعل بعض الخبراء يصنفون الوضع الزلزالي في لبنان على أنه "نشاط خفيف نسبيا"، بمعنى أنه لا يتوقع - وفق السجلات التاريخية - حدوث زلازل شديدة جدا تتجاوز هذا المستوى.
ولفت إلى أن هذا التصنيف يبقى ضمن القراءة الإحصائية والتاريخية للنشاط الزلزالي، ولا يعد حكما مطلقا على ما يمكن أن يحدث مستقبلا، بل يعتمد على المعطيات المتوفرة وسجل الزلازل في المنطقة.
في المحصلة، تبقى الهزات الأرضية في لبنان ضمن النشاط الزلزالي الطبيعي للمنطقة، ما يجعل استمرار تسجيل هزات خفيفة في الأسابيع المقبلة احتمالا قائما، من دون إمكانية تحديد توقيتها أو شدتها مسبقا. فهل تحمل الأسابيع المقبلة مزيدا من الهزات في لبنان؟