بين سطوة مافيات المولدات الكهربائية الخاصة التي تتحكم برقاب اللبنانيين ولقمة عيشهم، غير آبهة بالقوانين والضوابط التي وضعتها وزارتا الطاقة والاقتصاد، وبين التراجع المستمر في ساعات التغذية التي تؤمنها مؤسسة كهرباء لبنان، يجد المواطن نفسه رهينة أزمة كهرباء مزمنة لا تنتهي، يدفع ثمنها يوميًا من قوته وكرامته.
فبعد إنفاق عشرات مليارات الدولارات من خزينة الدولة ومن جيوب اللبنانيين على هذا القطاع، لا يزال الواقع الكهربائي أكثر اهتراءً من أي وقت مضى، فيما يتبدد الأمل بأي حل جذري في المستقبل المنظور، لتتحول الكهرباء إلى عنوان دائم لمعاناة اللبنانيين وفشل الدولة في إدارة أحد أكثر الملفات استنزافًا للمال العام.
وتتجلى فصول هذه المعاناة اليوم في العاصمة بيروت، حيث تشهد معظم أحيائها تراجعًا متواصلًا في ساعات التغذية الكهربائية منذ أسابيع، في وقت تستمر فيه التغذية، وفق الجداول المعتمدة، في مناطق أخرى خارج العاصمة. وقد أثار هذا الواقع موجة واسعة من الغضب والاستياء بين الأهالي، وفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول أسباب هذا التفاوت، وما إذا كانت بيروت تدفع ثمنًا إضافيًا في أزمة لم يعد أحد بمنأى عنها.
ولم تقف صرخة أهالي العاصمة عند حدود الشكوى، إذ شهدت بيروت خلال الساعات الأخيرة عدة احتجاجات وتحركات في شوارعها، رفضًا للواقع الذي تعيشه المدينة على صعيدَي الكهرباء والمياه، ولما يعتبره السكان تهميشًا متواصلًا بحق العاصمة وأبنائها. وارتفعت أصوات المحتجين مطالبةً بوضع حد لهذا الإهمال، ومؤكدةً أن بيروت، التي لطالما شكلت واجهة البلاد، لا يمكن أن تبقى أسيرة الانقطاع والحرمان من أبسط مقومات الحياة.
ولم تتوقف تداعيات الأزمة في بيروت عند حدود انقطاع الكهرباء، بل امتدت إلى أزمة المياه، بعدما حُرم عشرات آلاف السكان من الحصول على مياه الاستخدام اليومي بسبب توقف الآبار عن العمل نتيجة انقطاع التيار الكهربائي، ما ضاعف معاناتهم وأثقل أعباءهم، في مشهد يعكس حجم الانهيار الذي يطال أبسط مقومات الحياة.
أما ملف المولدات الخاصة، فحدث ولا حرج. فواتير تزداد ارتفاعًا، وساعات تغذية تتراجع، والتزام شبه معدوم بالتسعيرات الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة. وآخر هذه التسعيرات قضى بخفض سعر الكيلوواط/ساعة بنحو 20 سنتًا، ليصبح بين 60 و70 سنتًا، انسجامًا مع تراجع أسعار المحروقات عالميًا.
إلا أن هذا الخفض بقي، بالنسبة إلى كثير من أصحاب المولدات، حبرًا على ورق، إذ لم يلمس المشتركون أي انعكاس فعلي له على قيمة فواتيرهم، ما أعاد طرح علامات استفهام كبيرة حول قدرة الدولة على فرض القانون ومحاسبة المخالفين، في ظل التفلت الذي يحكم كارتيل المولدات، ويكرس واقعًا بات فيه المواطن الحلقة الأضعف، يدفع الفاتورة مرتين: مرة للدولة التي تعجز عن تأمين الكهرباء، ومرة أخرى لأصحاب المولدات الذين يفرضون شروطهم بعيدًا عن أي مساءلة.
وفي ما يتعلق بشكاوى أهالي العاصمة من تراجع التغذية بالتيار الكهربائي والمياه في مناطقهم خلال الفترة الأخيرة، أشار النائب وضاح صادق إلى أنه وجّه، اليوم، أسئلة خلال جلسة لجنة الاقتصاد إلى مستشار وزير الطاقة، بطرس حدشيتي، عن الأسباب التي تحول دون إصدار جداول واضحة لتوزيع الكهرباء، مستفسرًا عن مبررات استمرار التفاوت في التغذية بين المناطق، ولا سيما ما تتعرض له العاصمة بيروت من ظلم في قطاعَي الكهرباء والمياه.
وقال، عبر منصة "بالعربي": "لم أحصل على أجوبة، بل على العكس، اتسمت أجوبة مستشار الوزير بالتعالي وعدم الوضوح، ولم تقدم أي تفسير مقنع للأسئلة التي طرحتها، بل قاطعني مرات عدة خلال حديثي، وحصل ما حصل."
وأكد صادق أن ما جرى لن يثنيه عن متابعة هذا الملف، مشددًا على أن هدفه ليس الدخول في سجالات شخصية، بل الدفاع عن حقوق أهالي بيروت وسائر اللبنانيين، والحصول على أجوبة واضحة بشأن أسباب التفاوت في توزيع الكهرباء والمياه.
وأشار صادق إلى أن الغموض في ملف الكهرباء، يعود إلى وجود مصالح مرتبطة بأصحاب المولدات، معتبرًا أن هناك مافيا واسعة تتحكم بقرارات داخل شركة كهرباء لبنان لمصلحة المولدات الخاصة، مؤكدًا أنه حاول خلال الفترة الماضية معالجة هذا الملف بهدوء ومن خلال التواصل والعلاقات، إلا أنه وصل إلى قناعة بعدم إمكانية الاستمرار بهذه الطريقة، مشددًا على أنه سيتابع الموضوع بجدية.
وفي ملف المياه، تحدث عن وجود ما وصفه بـ"مافيا" تتحكم بهذا القطاع في بيروت، لافتًا إلى أن هذه الجهات تظهر خصوصًا خلال فصل الصيف، ثم تختفي عند تصاعد الأزمات، ولا سيما على مستوى المسؤولين المعنيين.
وتطرق إلى عدم تجاوب مدير عام مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان، ربيع خليفة، معه، موضحًا أنه حاول التواصل معه مرات عدة بشأن مشروع الربيع في منطقة الطريق الجديدة، الذي يطال مئات العائلات التي تعاني من انقطاع المياه منذ نحو أربع سنوات، إضافة إلى بحث أزمة المياه في بيروت، رغم غزارة المتساقطات خلال فصل الشتاء.
وقال صادق: "مدير عام المياه لا يرد عليّ في بيروت، لكنه سيدفع ثمن ذلك غاليًا". مؤكدًا أنه سيواصل متابعة هذا الملف وأن الجهات المسؤولة عن هذا الوضع ستتحمل مسؤولياتها.
وأضاف أن الفساد المستشري في هذا القطاع لم يعد مقبولًا، مشيرًا إلى أنه سبق أن حذر من أن كل من يرتبط اسمه بالفساد يجب أن يبدأ بالشعور بالمساءلة، مؤكدًا أن هذه المنظومة يجب أن تتوقف، وأن تتم محاسبة المسؤولين عنها.
وفي الشأن البلدي، أوضح صادق أن بلدية بيروت، رغم أن الكهرباء والمياه ليستا من صلاحياتها المباشرة، فإن الدفاع عن حقوق المواطنين البيروتيين يقع ضمن مسؤولياتها، ويمكنها التحرك والتواصل مع شركة الكهرباء ومؤسسات المياه ونقل مطالب الأهالي، كما يفعل النواب، منتقدًا طريقة إدارة بعض الاجتماعات التي تجمع المسؤولين والنواب، معتبرًا أن بعضها يتحول إلى مناسبات إعلامية فقط، من دون الوصول إلى قرارات عملية.
وقال إن بعض اللقاءات، مثل مؤتمر بيروت أو اجتماعات النواب السنة، تنتهي بالتقاط الصور والظهور الإعلامي من دون نتائج ملموسة، مؤكدًا أنه لذلك لا يشارك في الاجتماعات التي لا تهدف إلى اتخاذ قرارات فعلية.
وأكد أن نواب بيروت يجب أن يجتمعوا من أجل العاصمة وأهلها، وأن تبقى الأولوية، في النهاية، لمصلحة المواطن البيروتي ومعالجة مشكلاته اليومية.
بيروت تحت وطأة شح الكهرباء والمياه
من جهتها، أفادت مصادر بيروتية مطلعة منصة "بالعربي" بأن التغذية شهدت تراجعًا كبيرًا خلال الشهر الأخير، إذ أصبحت تصل في بعض المناطق إلى نحو ثلاث ساعات فقط يوميًا، فيما يتم أحيانًا توزيعها على فترات متقطعة، بواقع ساعتين مقابل ساعتين.
وأشارت إلى أن هذا الواقع يمثل انخفاضًا واضحًا مقارنة بالفترة السابقة، حيث كانت التغذية الكهربائية تصل في بعض مناطق بيروت إلى نحو ثماني ساعات يوميًا، فيما كانت تبلغ في مناطق أخرى قرابة ست ساعات. ولفتت إلى أن معدل ساعات التغذية تراجع حاليًا بنسبة تتراوح بين 50 و60%، من دون وجود تفسير رسمي واضح حتى الآن لأسباب هذا الانخفاض.
وفي ما يتعلق بأزمة المياه، أوضحت المصادر أن المشكلة ترتبط بعاملين أساسيين. يتمثل العامل الأول في تأثير أزمة الكهرباء على عمل منشآت توزيع المياه، إذ إن انقطاع التيار يحول دون تشغيل مضخات التوزيع بالشكل المطلوب، وسط معلومات تشير إلى أن هذه المضخات لا تُشغَّل بصورة كافية عبر المولدات.
أما العامل الثاني، بحسب المصادر، فيتعلق بأعمال توسعة طرأت مؤخرًا على شبكة توزيع المياه في عدد من مناطق بيروت، حيث تشير المعطيات إلى احتمال وجود خلل في هذه التوسعة، موضحةً أن هذه الأعمال نُفذت ضمن هبة مقدمة من الوكالة الألمانية للتعاون الدولي، في إطار مشروع قائم تحت جسر الكولا، لافتةً إلى أن هناك مؤشرات على وجود مشكلة تقنية مرتبطة بهذه الأعمال.
وأضافت أن مؤسسة المياه تواجه بدورها خللًا في عملية التوزيع، ما يزيد من تعقيدات أزمة المياه القائمة في العاصمة، في ظل تداخل عوامل نقص الكهرباء والأعطال الفنية التي تؤثر في انتظام الخدمة.
"الاقتصاد": ملاحقة أصحاب المولدات مستمرة... والحسم بيد القضاء
أما في ما يخص التجاوزات التي يشكو منها المشتركون مع أصحاب المولدات الكهربائية الخاصة، فأوضح مصدر مسؤول في وزارة الاقتصاد والتجارة، في حديث إلى منصة "بالعربي"، أن هذه الشكاوى تمثل "صرخة كل مواطن لبناني"، مؤكدًا أن الوزارة تتفهم حجم المعاناة، لكنها استنفدت كل ما يتيحه لها القانون ضمن صلاحياتها.
وأشار إلى أن الوزارة تقوم بواجباتها كاملة، من خلال تلقي الشكاوى، وإجراء الكشوفات الميدانية، وتنظيم محاضر الضبط بحق المخالفين بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، وقد أحالت معظم هذه الملفات إلى القضاء المختص.
وشدد المصدر على أن المرحلة اللاحقة، والمتمثلة في إنزال العقوبات الرادعة بحق المخالفين وسجنهم عند الاقتضاء، تقع اليوم على عاتق القضاء، معتبرًا أن الوزارة لا تستطيع القيام بأكثر مما يسمح به القانون، فيما تواصل متابعة جميع الملفات حتى صدور الأحكام وتنفيذها.
وبين عجز الدولة عن تأمين الكهرباء وانتشار واقع المولدات الخاصة خارج إطار الرقابة الفاعلة، يبقى المواطن اللبناني، في مختلف المناطق، أسير أزمة مستمرة تستنزف قدرته المعيشية وتزيد أعباءه اليومية. فلم يعد ملف الكهرباء مجرد أزمة خدمات، بل بات عنوانًا لمعاناة وطنية مزمنة يدفع ثمنها اللبنانيون جميعًا، في انتظار حلول جذرية تعيد لهذا القطاع دوره كخدمة أساسية، لا كعبء إضافي على كاهل الناس.