منذ بداية أزمة الكهرباء في لبنان، يعيش اللبنانيون على وقع انقطاع مزمن للتيار الكهربائي، من دون أن تنجح الحكومات المتعاقبة في وضع حد لهذه الأزمة. ولم تكن العاصمة بيروت، التي يفترض أن تكون واجهة الدولة وأولى المناطق التي تنعم بخدماتها الأساسية، بمنأى عن هذا الواقع، إذ لا تزال تعاني ساعات طويلة من التقنين، فيما تبقى الحلول الجذرية غائبة.
ومع غياب أي حل جذري لأزمة الكهرباء، ترسخ الاعتماد على المولدات الخاصة التي باتت منذ سنوات المصدر الأساسي للكهرباء لدى شريحة واسعة من المواطنين، على الرغم من ما يرافق ذلك من شكاوى يومية تتعلق بالتسعير وآلية التعاطي مع المشتركين، ومع ارتفاع الكلفة اتجه عدد من اللبنانيين إلى الطاقة الشمسية كخيار بديل، إلا أن هذا الخيار بدوره لم يخل من الشكاوى لجهة الإجراءات أو الصعوبات في الاعتماد عليه، وبين هذا وذاك تبقى أزمة الكهرباء في العاصمة قائمة على حالها، ما يطرح تساؤلات حول كيفية إدارة هذا الملف ومن يتحمل مسؤولية استمرار هذا الواقع؟
في هذا السياق، أكد النائب نبيل بدر أن أزمة الكهرباء في بيروت ولبنان لم تولد اليوم، بل هي نتيجة تراكم عشرات السنين من التأجيل، وسوء الإدارة، وغياب الاستمرارية في تنفيذ الخطط، موضحا أن كل حكومة كانت تطرح خطة، إلا أن التنفيذ كان يتعثر بسبب الخلافات السياسية، وفي بعض الأحيان الاتفاقات السياسية، إلى جانب نقص التمويل، وضعف الإدارة، وتبدل الأولويات نتيجة الأزمات والأحداث والحروب، ما أبقى المواطن وحده يدفع ثمن هذا التعثر المزمن.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن قطاع المولدات أصبح واقعا مفروضا أكثر منه حلا موقتا، بعدما وجد أساسا لسد فراغ الدولة، إلا أنه مع استمرار أزمة الكهرباء توسع حتى بات جزءا من الحياة اليومية، متحدثا عن وجود حلول عملية، من بينها اقتراح قانون سبق أن تقدم به يمنح البلديات، وفي مقدمها بلدية بيروت، صلاحية إنتاج الطاقة، بما يكسر الاحتكار ويخفف من تحكم أصحاب المولدات برقاب الناس.
وشدد بدر على أن المطلوب اليوم ألا تتعامل الحكومة مع أزمة الكهرباء كأمر واقع، بل أن تضع هذا الملف في صدارة أولوياتها، لأن إعادة إحياء قطاع الكهرباء هي المدخل الأساسي للنهوض الاقتصادي، فلا تنمية ولا استثمارات ولا تطور حقيقي من دون قطاع كهرباء مستقر.
وفي ما يتعلق بالطاقة الشمسية، أوضح أنه إذا كان هناك تشدد في بعض ملفات الطاقة الشمسية، فمن الطبيعي أن يكون الهدف ضمان السلامة العامة، واحترام المعايير، وتنظيم الشبكة الكهربائية، إلا أنه من حق المواطنين أيضا أن يتساءلوا عن سبب عدم تطبيق الرقابة نفسها على كل مصادر الطاقة، لا سيما على تسعير أصحاب المولدات الخاصة، معتبرا أن المطلوب اليوم هو عدالة في تطبيق القوانين على الجميع، وليس التشدد مع طرف والتراخي مع طرف آخر، إلى حين الوصول إلى حل نهائي لهذه الأزمة.
وفي ملف المولدات، أشار بدر إلى أن موضوع العدادات والرقابة طرح مرارا، وصدر بشأنه عدد من القرارات، إلا أن المشكلة الأساسية كانت دائما في ضعف التنفيذ وغياب الإرادة الجدية للرقابة الميدانية والأدوات اللازمة لها، لافتا إلى أن المواطن لا يهمه عدد القرارات بقدر ما يهمه أن يرى تطبيقا فعليا يحميه من أي تجاوز أو تعسف في التسعير، خصوصا وأنه يعيش في بلد يدفع ثمن الخدمة مرتين، مرة للدولة، ومرة لموردي الخدمات.
واعتبر أن ما يحصل لا يمكن اختصاره بسبب واحد، بل إن لبنان أمام مجموعة من الأسباب، في مقدمتها غياب الإرادة السياسية الحقيقية لاستنهاض هذا القطاع الحيوي، ما أدى إلى فشل إداري مزمن وضعف في إدارة هذا الملف، مشددا على وجود مصالح اقتصادية وكارتيلات استفادت من استمرار هذا الواقع الشاذ، فيما بقي المواطن المتضرر الأول والأخير. وأمل أن تتحول الوعود إلى إصلاحات حقيقية، وقرارات جريئة، وإدارة شفافة تعيد للدولة دورها الطبيعي في تأمين الكهرباء كحق أساسي لكل مواطن.
وعليه، تبقى معاناة اللبنانيين خصوصا أهالي بيروت مستمرة مع أزمة كهرباء تحولت إلى جزء من تفاصيلهم اليومية، بين شكاوى متكررة من تعسف أصحاب المولدات، وبين لصعوبة اللجوء إلى خيار الطاقة الشمسية التي يفترض أن تكون بديلا لإراحة المواطن من هذا العبء الذي يعيشه المواطن يوميا، من دون أن يجد حتى الآن مخرجا واضحا من هذا الواقع.