June 24, 2026   Beirut  °C
صحة

بعد تصدر لبنان معدلات ارتفاع الإصابة بالسرطان.. الدكتور محمد منعم: أكبر تهديد للمرضى فقدان استمرارية العلاج

لبنان يتصدر العالم في واحدة من أكثر الإحصاءات إيلاما. ففي عام 2025، تصدر لبنان معدلات ارتفاع الإصابة بالسرطان عالميا، فيما كانت آلاف العائلات اللبنانية تعيش كل يوم مع هذا المرض بصمت ثقيل، بين الخوف من الغد وانتظار نتيجة علاج قد يغير كل شيء. خلف الأرقام، هناك وجوه وقصص لمرضى يتمسكون بفرصة حياة، وأهال يحاولون الصمود رغم قسوة الظروف.

وكأن هذا العبء لم يكن كافيا، لتأتي الحرب الإسرائيلية الأخيرة وتضيف طبقة جديدة من القلق والمعاناة، بين نزوح وتعطل الوصول إلى المستشفيات، ومخاوف من استمرار توافر الأدوية والعلاج في الوقت المناسب.

وفي هذا السياق، قال اختصاصي أمراض الدم والأورام السرطانية الدكتور محمد منعم إن الخطر السرطاني المباشر الناتج عن الحرب لا يزال غير واضح بالكامل، إذ لا تتوافر حتى الآن بيانات دقيقة حول جميع المواد التي استخدمت.


وأشار منعم عبر منصة "بالعربي" إلى أن بعض التقارير تحدثت عن احتمال رش مبيد أعشاب يعرف باسم Glyphosate (غليفوسات) في الجنوب بكميات مرتفعة، وهي مادة مصنفة عالميا ضمن المواد المحتملة التسرطن. كما أن الدمار والردم والغبار الناتج عن القصف قد يحتوي على مواد مثل Silica (السيليكا) وAsbestos (الأسبستوس)، وهي مواد قد تزيد من خطر الإصابة بالسرطان على المدى الطويل، خصوصا عند استنشاقها بشكل متكرر.


وأوضح أن الخطر السرطاني المباشر الناتج عن الحرب، وبشكل عام، يبقى منخفضا لدى الشخص العادي الذي لا يتعرض يوميا للغبار أو الدخان ولا يشارك في أعمال إزالة الردم. في المقابل، ترتفع مستويات الخطر بشكل واضح لدى الفئات الأكثر عرضة، مثل عمال الإنقاذ والإسعاف والدفاع المدني والعاملين في إزالة الركام، نتيجة التعرض المتكرر والمباشر للغبار والمواد العالقة. وشدد على أهمية اتخاذ إجراءات وقائية في مثل هذه الظروف، ولا سيما استخدام كمامات واقية من نوع N95 عند التعرض للغبار.


وأشار إلى أن التأثير الأكبر للحرب على مرضى السرطان لا يقتصر على المواد أو الغبار، بل يتمثل في التهجير وانقطاع التواصل بين المريض وطبيبه أو المستشفى. فقد اضطر العديد من المرضى من الجنوب أو البقاع أو بيروت إلى مغادرة مناطقهم، ما أدى إلى ابتعاد بعضهم عن مراكز العلاج، أو تغيير الطبيب أو المستشفى، أو التأخر عن تلقي الجلسات العلاجية والفحوصات الدورية.


وأضاف أن هذا الواقع ترافق مع ضغط مادي كبير، في ظل الكلفة المرتفعة لعلاج السرطان في لبنان، وعدم تغطية التأمينات الصحية لكامل النفقات في كثير من الحالات، ما يضطر المرضى أحيانا إلى تغطية جزء من العلاج أو الفحوصات من أموالهم الخاصة. كما ينعكس التهجير، إلى جانب الضغوط المادية والنفسية، سلبا على انتظام العلاج واستمرارية المتابعة الطبية.


أما في التصعيد الحالي، فأوضح أن تأثير الحرب على استمرارية العلاج قد يكون أقل لدى بعض المرضى مقارنة ببعض مراحل حرب 2024، إذ أصبح لدى عدد من أطباء الأورام خيارات بديلة ومستشفيات أخرى خارج مناطق الاستهداف، ما أتاح متابعة علاج المرضى قدر الإمكان. ومع ذلك، لا يلغي هذا حجم المشكلة، إذ إن أي تأخير في علاج السرطان أو تغيير قسري في خطة العلاج يبقى أمرا بالغ الأهمية، ويستدعي التعامل معه بجدية نظرا لانعكاساته على مسار العلاج ونتائجه.


وفي ما يتعلق بتأمين أدوية السرطان، لفت منعم إلى أن الوضع تحسن بشكل واضح خلال الفترة الأخيرة الممتدة بين سنة وسنة ونصف، إذ تعمل وزارة الصحة والتأمينات الصحية على تأمين جزء كبير من أدوية السرطان، بما في ذلك بعض العلاجات مرتفعة الكلفة، ضمن بروتوكولات علاجية يضعها أطباء مختصون بهدف ترشيد الاستخدام. وأضاف أنه رغم أن هذا المستوى لا يقارن بالدول ذات الأنظمة الصحية المتقدمة، إلا أن التحسن مقارنة بالسنوات السابقة واضح ومهم، وينعكس إيجابا على استمرارية علاج المرضى، وهو ما يحسب لجهود المعنيين في وزارة الصحة، وخصوصا وزير الصحة الحالي الدكتور ركان ناصر الدين.


ورغم كل التحديات التي فرضتها الحرب على المرضى والنظام الصحي، شدد منعم على ضرورة عدم تضييع البوصلة في تحديد الأولويات الصحية. فصحيح أن الحرب والتلوث والغبار ونوعية الغذاء كلها عوامل تؤثر في الصحة العامة وتزيد من المخاطر، إلا أن الواقع في لبنان يشير بوضوح إلى أن التدخين، بشقيه السجائر والأركيلة، يبقى من أبرز وأوضح العوامل القابلة للوقاية المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بالسرطان.


وتابع أن الأرقام تختلف باختلاف الدراسات، لكنها تعكس صورة مقلقة؛ إذ يقدر أن نحو ربع البالغين يدخنون السجائر، في حين قد تصل نسبة استخدام الأركيلة إلى ما يقارب 40% أو أكثر في بعض التقديرات. ولا تكمن المشكلة في التدخين المباشر فقط، بل أيضا في ظاهرة التدخين السلبي، حيث يتعرض عدد كبير من الأشخاص لدخان السجائر والأركيلة في أماكن مغلقة، مثل المنازل والمطاعم والسيارات ووسائل النقل العامة، ما يجعل غير المدخنين عرضة لمخاطر صحية حقيقية دون أن يكون لهم خيار في ذلك.


ومن هذا المنطلق، رأى منعم أن أي استراتيجية فعالة للوقاية من السرطان في لبنان يجب أن تضع ملف التدخين في صلب أولوياتها. فمحاربة التدخين، والحد من انتشار السجائر والأركيلة، إلى جانب حماية غير المدخنين من التعرض لدخان الآخرين، تمثل خطوات أساسية يمكن أن تحدث فرقا ملموسا في خفض معدلات الإصابة بالأمراض المرتبطة به، وفي مقدمتها السرطان.


اليوم، لم تعد القضية مجرد أرقام أو نسب في تقارير طبية، بل هي واقع يومي ثقيل يعيشه آلاف المرضى بين المرض والحرب معا، وسط مخاوف من تداعيات تمتد صحيا وإنسانيا إلى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة.