بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله حيز التنفيذ وبدء عودة أبناء الجنوب إلى قراهم، يبرز ملف إعادة تأهيل الأراضي الزراعية التي تعرضت لأضرار واسعة جراء الحرب، في ظل تساؤلات متزايدة حول حجم الضرر الذي أصاب التربة والمحاصيل الزراعية نتيجة القصف واستخدام إسرائيل المواد الحارقة والكيميائية، ومدى تأثير ذلك على مستقبل الإنتاج الزراعي في المنطقة.
كما تبرز أسئلة حول الخطط التي أعدتها الدولة اللبنانية لدعم المزارعين واستصلاح الأراضي المتضررة وإعادة القطاع الزراعي إلى مساره الطبيعي.
وبما أن الجنوب يضم نحو 25% من الأراضي الزراعية في لبنان، حملنا هذه الملفات إلى وزير الزراعة نزار هاني، الموجود في هولندا في زيارة تهدف إلى دعم القطاع الزراعي في لبنان، للاطلاع على رؤيته لواقع هذا القطاع وخطط الوزارة لمرحلة ما بعد الحرب.
وفي هذا السياق، أكد هاني أن الجنوب اللبناني يشكل ركنا أساسيا من القطاع الزراعي الوطني، إذ يضم ما يقارب ربع الأراضي الزراعية في لبنان، ويحتضن عددا من أبرز الزراعات التي يتميز بها البلد، موضحا أن نحو 70% من إنتاج الحمضيات في لبنان يتركز في الجنوب، إضافة إلى ما يقارب 90% من إنتاج الموز، فضلا عن الفواكه الاستوائية، لا سيما الأفوكا والقشطة وغيرها، إلى جانب الخضار والثروة الحيوانية وتربية النحل وإنتاج العسل.
وفي ما يتعلق بالأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية جراء الحرب، أشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن التقارير الأولية التي أنجزت بالتعاون مع المجلس الوطني للبحوث العلمية أظهرت أن 22.5% من الأراضي الزراعية تعرضت لأضرار مباشرة، أي ما يعادل نحو 56 ألف هكتار، منها 52 ألف هكتار في الجنوب، فيما تتركز المساحات المتبقية في منطقة البقاع الشمالي، لا سيما في بعلبك – الهرمل، مشيرا إلى أن المواد التي استخدمت خلال الاعتداءات الإسرائيلية تعد من المواد الخطرة جدا ذات الآثار طويلة الأمد، وفي مقدمتها الفوسفور الأبيض ومادة الغليفوسات، وهي مبيدات عشبية استخدمت بكميات كبيرة وبتركيزات تفوق معدلات الاستخدام الطبيعية بما يتراوح بين 50 و60 ضعفا.
ولفت هاني إلى أن نتائج العينات التي أخذت حتى نهاية العام 2024 من التربة والمياه والغطاء النباتي في الجنوب كانت ضمن الحدود المقبولة وتحت السيطرة، ولم تسجل مؤشرات مقلقة أو مستويات تتجاوز الحدود المسموح بها، مشددا على أن استمرار الاعتداءات، لا سيما استخدام الفوسفور الأبيض خلال الفترة اللاحقة، يجعل من الضروري إعادة القيام بالفحوصات والتحاليل فور توافر الظروف المناسبة للوصول إلى المناطق المتضررة.
وقال إن لبنان جمع مختلف المعطيات والنتائج العلمية المتعلقة بهذه الأضرار، وتعاونت وزارة الزراعة مع وزارة البيئة في إعداد تقرير متكامل تضمن نتائج العينات وحجم الأضرار والكميات الكبيرة من المواد المستخدمة، وقد أُحيل هذا التقرير عبر وزارة الخارجية إلى مجلس الأمن الدولي ضمن شكوى رسمية، مؤكدا أن استخدام هذه المواد على نطاق واسع ومن خلال الطائرات وعلى مساحات شاسعة يعد من الجرائم البيئية الخطيرة التي تستوجب الملاحقة على المستوى الدولي.
وعن أكثر المحاصيل تضررا، أوضح هاني أن الأضرار طالت بصورة أساسية الزراعات الأكثر انتشارا في الجنوب، وفي مقدمتها الزيتون، حيث تضرر نحو 50% من المساحات المزروعة، إضافة إلى تضرر نحو 30% من بساتين الحمضيات. كما لحقت أضرار كبيرة بالمزروعات الموسمية، بما فيها القمح والعدس والحبوب المختلفة، فضلا عن زراعة التبغ التي تعرضت لخسائر واسعة، كاشفا أن الوزارة أعدت تقريرا مفصلا حول واقع الأضرار والخسائر الزراعية، بالتعاون مع المجلس الوطني للبحوث العلمية وشبكة واسعة من الشركاء تضم منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية المعنية بالقطاع الزراعي، إضافة إلى الوزارات والإدارات الرسمية والجامعات.
ورأى أن التقرير يميز بين الأضرار التي تصيب الأصول والموارد الزراعية وبين الخسائر الناتجة عن فقدان المواسم والإنتاج المتتالي، مشيرا إلى أن الأضرار تبقى الأكثر خطورة نظرا إلى تأثيرها طويل الأمد على القطاع.
وفي ما يتعلق بمرحلة ما بعد الحرب، أكد هاني أن الوزارة وضعت منذ نهاية العام 2024 خطة متكاملة تمتد على 3 سنوات، تهدف إلى استعادة عافية القطاع الزراعي ضمن إطار إعادة إعمار لبنان والمناطق المتضررة، لا سيما الجنوب. وتشمل الخطة إعادة تأهيل الأراضي والبنى التحتية الزراعية وتعزيز الإنتاجية وتحسين سبل عيش المزارعين.
وتطرق إلى زيارته الحالية إلى هولندا، موضحا أنها تهدف إلى تعزيز العلاقات الزراعية بين لبنان وإحدى أكثر الدول تقدما في المجال الزراعي. وأشار إلى أن هولندا تعد من أبرز الجهات الداعمة للقطاع الزراعي اللبناني، وأن الزيارة، التي يشارك فيها المديرون العامون في الوزارة، تتيح الاطلاع على التجربة الهولندية في الحوكمة والإدارة الاستراتيجية للقطاع الزراعي، إضافة إلى تعزيز التعاون مع وزارة الزراعة الهولندية وسائر الشركاء المعنيين.
وأوضح هاني أن النموذج الزراعي الهولندي يشبه إلى حد كبير ما يحتاجه لبنان، إذ يقوم على شراكة وثيقة بين الدولة والقطاع الخاص والجامعات ومراكز الأبحاث. وقال إن هولندا، التي لا تتجاوز مساحتها 4 أضعاف مساحة لبنان، تعد ثاني أكبر مصدر للمنتجات الزراعية في العالم، بفضل اعتمادها على التقنيات الحديثة والمتطورة التي رفعت إنتاجية بعض المحاصيل، لا سيما الخضار، إلى مستويات تفوق المعدلات العالمية التقليدية أضعاف عدة.
وأكد أن الوزارة تسعى إلى الاستفادة من هذه الخبرات ونقل التقنيات الحديثة إلى لبنان بما يسمح بتحقيق أفضل استثمار للمساحات الزراعية المتاحة، وزيادة الإنتاج، وتعزيز دور القطاع الزراعي في تحقيق الأمن الغذائي وتأمين مصادر دخل مستدامة للمزارعين والأسر الريفية.
في ضوء ما تقدم، تبدو إعادة النهوض بالقطاع الزراعي في الجنوب مهمة لا تقل أهمية عن إعادة إعمار الحجر، في ظل الأضرار الكبيرة التي خلفتها الحرب على الأراضي الزراعية والبيئة الطبيعية. وبين التحديات البيئية والاقتصادية، يبرز أيضا ملف معالجة التربة من آثار المواد السامة التي خلفتها الاعتداءات الإسرائيلية، بما يتيح استعادة خصوبتها وضمان إنتاج مزروعات سليمة وآمنة بعيدة عن المخاطر.