June 15, 2026   Beirut  °C
مناطق

حسان القطب: استهداف صور جزء من خطة لتغيير واقع الجنوب اللبناني

لم تعد مدينة صور بعيدة عن الضربات الإسرائيلية المباشرة، بل باتت في صلب المشهد الجنوبي مع تصاعد وتيرة الغارات الإسرائيلية والانتقال من الاستهدافات المحددة إلى المطالبة بإخلاءات جماعية. فالمدينة الساحلية التي تشكل مركزاً اقتصادياً واجتماعياً لعشرات البلدات الجنوبية، وتُعد إحدى أبرز المدن التاريخية والسياحية في لبنان، أصبحت تواجه خطراً كبيراً وسط تخوف الجميع من أن يكون مصيرها كمصير بنت جبيل.

فهل تندرج الاستهدافات المتكررة لصور ضمن أهداف عسكرية ميدانية فحسب، أم أنها جزء من استراتيجية أوسع تسعى إلى تغيير واقع الجنوب اللبناني؟

في هذا الإطار، أكد مدير المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات حسان القطب أن العدوان الإسرائيلي على لبنان يهدف إلى تغيير الواقع في الجنوب اللبناني بشكل خاص، وبالتالي في لبنان بشكل عام، مشيراً إلى أن هذا الهدف أُعلن عنه منذ بداية الحرب، حين تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن السعي إلى تغيير الواقع الأمني والجغرافي والسياسي في الشرق الأوسط.


وأشار، عبر منصة "بالعربي"، إلى أن الخطاب الإسرائيلي في المرحلة الأخيرة، سواء من خلال تصريحات يتسحاق هيرتزوغ أو الرسائل التي وجهها نتنياهو إلى اللبنانيين، يركز على الفصل بين المجتمع اللبناني وحزب الله، عبر التأكيد أن الحرب تستهدف الحزب وليس الشعب اللبناني. وفي المقابل، سعى حزب الله إلى التأكيد أن الاستهداف يطال البيئة الشيعية بمجملها وليس الحزب وحده.


ورأى القطب أن إسرائيل لا تستهدف حزب الله عسكرياً فقط، بل تعمل أيضاً على استهداف البنية التحتية والمقومات الاقتصادية والاجتماعية للبيئة الحاضنة له، في محاولة لإضعاف نفوذه ودفع جمهوره إلى إعادة النظر في خياراته السياسية. ومن هذا المنطلق، يُفسَّر حجم الاستهداف الذي تتعرض له المدن والقرى الجنوبية، إضافة إلى الضاحية الجنوبية والبقاع.


ولفت إلى أن مدينة صور تكتسب أهمية خاصة نظراً إلى موقعها الجغرافي ودورها الاقتصادي والاجتماعي، إذ تشكل مركزاً حاضناً للقرى والبلدات المحيطة بها، فضلاً عن ارتباطها الوثيق بالجاليات اللبنانية المنتشرة في أفريقيا وأوروبا ودول الاغتراب الأخرى. لذلك، يندرج استهدافها، بحسب القطب، ضمن استراتيجية أوسع تستهدف إضعاف المقومات الاقتصادية والسكانية في الجنوب.


واعتبر القطب أن ما شهدته مدن وبلدات مثل بنت جبيل والخيام من عمليات تدمير واسعة يتكرر اليوم في صور والنبطية من خلال استهداف الأحياء السكنية والتجارية وعمليات الإخلاء المتكررة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تهجير أعداد كبيرة من السكان نحو الداخل اللبناني، وما يرافق ذلك من تداعيات اجتماعية واقتصادية وضغوط متزايدة على مختلف المناطق.


وأضاف أن تدمير المساكن والبنى التحتية والمؤسسات الاقتصادية لا يقتصر أثره على الخسائر المباشرة، بل ينعكس أيضاً على فرص العمل والاستثمارات المحلية وإمكانات عودة السكان بعد انتهاء الحرب، خصوصاً في ظل غياب رؤية واضحة حتى الآن لملف إعادة الإعمار والتمويل المطلوب له.


كما رأى القطب أن هذه الضغوط قد تدفع شريحة من المواطنين إلى إعادة تقييم مواقفها السياسية، كما قد تشجع بعض أبناء المناطق المتضررة على الهجرة بحثاً عن ظروف معيشية أكثر استقراراً بعد الخسائر الكبيرة التي لحقت بممتلكاتهم ومصادر رزقهم.


وأشار إلى أن إسرائيل تعتمد، وفق تقديره، استراتيجية طويلة الأمد تقوم على التقدم تحت غطاء ناري كثيف وإحداث أكبر قدر ممكن من التدمير المادي، بهدف تقليص خسائرها البشرية وإضعاف قدرات حزب الله العسكرية والاقتصادية في آن واحد، محذراً من أن تداعيات هذه السياسة قد تمتد إلى مرحلة ما بعد الحرب، مع ما ستكشفه من خسائر بشرية ومادية ضخمة وتحديات كبيرة أمام إعادة الإعمار.


وختم القطب بالتأكيد أن ربط استهداف مدينة صور بتوجيه رسالة سياسية إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري لا يعكس، برأيه، حقيقة الأهداف الإسرائيلية، معتبراً أن ما يجري يندرج ضمن سياسة أشمل تطال مختلف المناطق الجنوبية، وتهدف إلى إحداث أكبر قدر من الضغط الاقتصادي والاجتماعي على البيئة الحاضنة لحزب الله، بالتوازي مع المسارات السياسية ومسار التسوية في واشنطن، الذي يمنح إسرائيل ضمانات أمنية لأطول مدة ممكنة.


في المحصلة، يبقى مصير صور، كما سائر بلدات ومدن الجنوب اللبناني، مرتبطاً بمسار شائك ورهناً بالتطورات السياسية والعسكرية في المنطقة، وبما إذا كانت المفاوضات القائمة والجهود الدولية ستنجح في تجنيب المدينة مزيداً من الدمار.