أين أصبحت خطة "بيروت منزوعة السلاح" التي رُفعت في الفترة الماضية كأحد أبرز العناوين الأمنية للعاصمة؟ وهل سيلحق مصيرها بمصير العديد من القرارات الحكومية التي بقيت حبرًا على ورق من دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي على الأرض؟
أين أصبحت خطة "بيروت منزوعة السلاح" التي رُفعت في الفترة الماضية كأحد أبرز العناوين الأمنية للعاصمة؟ وهل سيلحق مصيرها بمصير العديد من القرارات الحكومية التي بقيت حبرًا على ورق من دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي على الأرض؟
أسئلة تفرض نفسها بقوة في ظل تكرار الحوادث الأمنية وارتفاع منسوب القلق لدى البيروتيين، فيما تبدو العاصمة أحوج من أي وقت مضى إلى خطة أمنية متكاملة، خصوصًا مع استمرار أزمة النزوح الكثيفة التي تضغط على مرافقها وخدماتها، في وقت لا تلوح فيه مؤشرات إلى عودة قريبة للنازحين إلى قراهم وبلداتهم التي دمرتها إسرائيل، الأمر الذي قد يفاقم التوترات والاحتكاكات الأمنية والاجتماعية في المرحلة المقبلة.
وفي هذا الإطار، أكد النائب ملحم خلف أن مطلب جعل بيروت مدينةً منزوعة السلاح لم يعد مجرد شعار سياسي أو مطلبًا نظريًا، بل بات ضرورة ملحة تتطلب قرارًا تنفيذيًا واضحًا وخطة عملية متدرجة تتيح للدولة بسط سلطتها الكاملة داخل العاصمة وتأمين الطمأنينة لسكانها.
وأوضح، عبر منصة "بالعربي"، أن هذا المسار بدأ من خلال موقف مشترك مع النائب إبراهيم منيمنة، قبل أن تتوالى المواقف المؤيدة له وأن يحظى بإجماع نواب بيروت، انطلاقًا من قناعة بأن أبناء العاصمة يستحقون العيش بأمان واستقرار بعيدًا عن مظاهر السلاح خارج إطار المؤسسات الشرعية.
وشدد خلف على أن بيروت منزوعة السلاح ليست هدفًا مؤجلًا أو مشروعًا بعيد المدى، بل مسارًا ينبغي أن يبدأ بخطوات تنفيذية واضحة ومحددة تسمح للدولة بفرض هيبتها وإعادة الثقة بين المواطنين ومؤسساتها.
وأشار إلى أن الدولة باشرت اتخاذ بعض الإجراءات في هذا الاتجاه من خلال تعزيز حضور الجيش اللبناني في العاصمة، حيث جرى استقدام كتيبة عسكرية تولت تنفيذ دوريات وحواجز أمنية في عدد من المناطق.
واعتبر أن هذه الخطوة كانت إيجابية في مرحلتها الأولى، إلا أن التطورات الأخيرة، ولا سيما الحادثة التي شهدتها منطقة عائشة بكار، أظهرت أن الإجراءات المتخذة لا تزال غير كافية لتحقيق مستوى الطمأنينة المطلوب لدى المواطنين.
ورأى خلف أن المطلوب اليوم هو الانتقال من الشعارات إلى التنفيذ الفعلي عبر خطة متكاملة بمراحل واضحة ومعلنة، بما يثبت للمواطنين جدية الدولة في استعادة هيبتها وحصر السلاح بالقوى الأمنية والعسكرية الشرعية، مضيفًا أن استمرار الحوادث الأمنية، مهما كانت ظروفها، يترك آثارًا سلبية على شعور الأهالي بالأمان ويعزز مناخ القلق داخل المدينة.
وجدد دعوته إلى اعتماد خطة تنفيذية واقعية لا تهدف إلى ممارسة الضغوط على الدولة أو تحميلها أعباء إضافية، بل إلى مساعدتها على استعادة دورها الطبيعي وتمكينها من القيام بمسؤولياتها تجاه المواطنين، بما ينعكس استقرارًا وأمنًا على العاصمة وسكانها.
وفي ما يتعلق بأزمة النزوح، شدد خلف على ضرورة الفصل بين هذا الملف وبين مسألة السلاح داخل العاصمة، معتبرًا أن الخلط بينهما لا يساعد على معالجة أي من المشكلتين، موضحًا أن النزوح القائم هو في الأساس نزوح ظرفي ومؤقت فرضته الظروف الأمنية والاعتداءات الإسرائيلية التي تعرضت لها المناطق الجنوبية، وما رافقها من عمليات تدمير وتجريف واسعة طالت القرى والأهالي.
ولفت إلى أن بيروت تحملت، كما مناطق لبنانية أخرى، الجزء الأكبر من أعباء الاستقبال، حيث استضافت أعدادًا كبيرة من النازحين في المدارس ومراكز الإيواء وفي منازل المواطنين، معتبرًا أن ما أظهره أبناء العاصمة من تضامن واستعداد للاحتضان يعكس صورة مشرقة عن المجتمع البيروتي الذي لم يكتفِ بفتح المراكز العامة، بل فتح أيضًا أبواب المنازل والقلوب أمام الوافدين من المناطق المتضررة.
وفي المقابل، أقر خلف بأن هذا الواقع فرض ضغوطًا غير مسبوقة على العاصمة وعلى سكانها، سواء من الناحية الخدماتية أو الاجتماعية، مشيرًا إلى أن أي مجتمع يتعرض لضغط استثنائي بهذا الحجم قد يشهد حالات من التوتر أو الاحتكاك. لكنه شدد على ضرورة التعامل مع هذه الظواهر بحكمة ومسؤولية والعمل على خفض مستويات الاحتقان ومنع تحولها إلى مصدر انقسام أو توتر بين المجتمع المضيف والنازحين.
وأكد أن الدولة مطالبة بوضع خطة واضحة لدعم المجتمع المضيف كما المجتمع المستضاف في آن واحد، بما يخفف الأعباء المترتبة على الطرفين ويعزز عوامل الاستقرار الاجتماعي خلال هذه المرحلة الدقيقة. كما دعا إلى العمل منذ الآن على تهيئة الظروف التي تسمح بعودة النازحين إلى قراهم ومناطقهم فور توافر الإمكانات اللازمة لذلك، من خلال توفير مقومات الصمود وإعادة تأهيل المناطق المتضررة بما يتيح استئناف الحياة فيها بأسرع وقت ممكن.
وتناول خلف أوضاع النازحين المقيمين في منطقة البيال، معتبرًا أن القضية يجب أن تُقارَب من زاوية إنسانية بالدرجة الأولى، مشيرًا إلى أن الموقع يفتقر إلى عدد من الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها السكان، بما في ذلك المياه والمرافق الصحية والتجهيزات الضرورية للحياة اليومية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على كرامة الإنسان وظروف عيشه.
وأوضح أنه اطلع ميدانيًا على الأوضاع في المدينة الرياضية وعلى المنشآت والتجهيزات المتوافرة فيها، معتبرًا أن هذه المرافق تؤمن خدمات أساسية غير متوافرة في البيال، الأمر الذي يجعل نقل بعض العائلات إليها خيارًا يمكن أن يُحسّن ظروف إقامتها ويوفر لها الحد الأدنى من المقومات الحياتية المطلوبة، مشددًا على أن المسألة لا ترتبط بالموقع بحد ذاته، بل بمدى توافر الخدمات الأساسية والظروف الإنسانية اللائقة.
كما حذر من أي محاولة لاستغلال أوضاع النازحين أو التعامل مع مراكز الإيواء باعتبارها واقعًا دائمًا، مؤكدًا أن غالبية النازحين تتطلع إلى العودة إلى منازلها وقراها فور تحسن الظروف.
ورأى أن غياب التخطيط المبكر لاستيعاب النازحين وتنظيم أوضاعهم منذ بداية الأزمة جعل معالجة الملف أكثر تعقيدًا اليوم، إلا أن ذلك لا يلغي مسؤولية الدولة عن إيجاد حلول عملية وسريعة.
وعليه، تبدو بيروت اليوم عند مفترق دقيق، حيث لم يعد ممكنًا التعامل مع التحديات الأمنية وأزمة النزوح بمنطق إدارة الأزمة فقط، بل باتت الحاجة ملحة إلى قرارات تنفيذية واضحة تعيد للدولة حضورها الفعلي في العاصمة. فكل تأخير في معالجة هذه الملفات يضاعف منسوب القلق والاحتقان، ويضع المدينة أمام اختبارات أكثر تعقيدًا في ظل غياب أي أفق قريب لعودة النازحين إلى مناطقهم المدمرة.