June 12, 2026   Beirut  °C
إعلام

بول مرقص لـ "بالعربي": إلغاء السجن للصحافيين أبرز بنود قانون الإعلام الجديد

يعيش لبنان سلسلة من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية المتلاحقة، حتى بات لا يخرج من أزمة إلا ليدخل في أخرى. وقد تفاقمت هذه الأزمات على وقع الحربين الأخيرتين، اللتين أسهمتا في تكريس حالة من عدم الاستقرار الأمني، إلى جانب ارتفاع منسوب خطاب الكراهية والتحريض داخل المجتمع اللبناني، نتيجة الانقسام العمودي الحاد حول عدد من الملفات المصيرية، وفي مقدمها الحرب القائمة مع إسرائيل.

ولا يخفى في هذا الإطار الدور المحوري الذي يؤديه الإعلام، سواء من خلال المساهمة في التخفيف من حدة الأزمات بما ينعكس إيجاباً على المواطنين، أو عبر تأجيجها من خلال نشر التحريض والشائعات وإثارة الفتن، الأمر الذي يؤدي إلى تعقيد المشهد الداخلي ودفعه نحو مزيد من التأزم.


وبما أن لبنان لطالما عُرف بأنه بلد الحريات ومنبر التعبير الحر، فضلاً عن كونه مهد الإعلام العربي، فإن المسؤولية الملقاة على عاتق القيمين على هذا القطاع تبقى كبيرة إلى حد بعيد. وتقع على الصحافيين والإعلاميين مسؤولية أساسية في ضبط الخطاب الإعلامي بما يحفظ السلم الأهلي ويعزز الاستقرار، كما تقع مسؤولية مماثلة على منصات التواصل الاجتماعي التي تشهد يومياً سجالات وحروباً كلامية تتجاوز في كثير من الأحيان حدود اللياقة وآداب التخاطب، بما ينذر بتغذية الانقسامات وتأجيج الصراعات في بلد لا يزال يتأرجح على حافة الأزمات.


فما هي حدود حرية الإعلام والتعبير عن الرأي في لبنان؟ وأين تنتهي الحرية ويبدأ التعدي على القانون أو السلم الأهلي؟ وما هي مسؤولية الصحافيين والإعلاميين في جعل السلطة الرابعة رافعة للاستقرار والأمن، بدلاً من أن تتحول، عن قصد أو غير قصد، إلى عامل إضافي في زعزعة أركان الدولة؟


وما هو دور وزارة الإعلام، بصفتها الجهة الوصية على القطاع الإعلامي في لبنان، في مواجهة الخطاب التحريضي والفتنوي الذي يشهده البلد اليوم؟ وما مسؤوليتها في الحد من حملات التجريح والتخوين والشتائم التي تطال المرجعيات الرسمية والسياسية، بما فيها رئاستا الجمهورية والحكومة، وكل من يخالف الآخر في الرأي؟ كذلك، من يحمي أصحاب الرأي والعاملين في الحقل الإعلامي من الملاحقات والاعتقالات التعسفية، ويصون حقهم في التعبير ضمن الأطر القانونية؟


هذه الملفات وغيرها حملناها إلى وزير الإعلام المحامي الدكتور بول مرقص، الذي خص منصة "بالعربي" بحوار تناول فيه شؤون الإعلام وشجونه، ولا سيما في ظل المرحلة الدقيقة والحساسة التي يمر بها لبنان.


في مستهل حديثه، شدد مرقص على أن مواجهة الخطاب الفتنوي والأخبار المضللة أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه لبنان في المرحلة الراهنة، محذراً من أن معلومة غير دقيقة أو خبراً زائفاً قد يؤديان، في بعض الأحيان، إلى تأجيج التوترات السياسية والاجتماعية، وربما إلى تهديد الاستقرار الأمني في بلد يعاني أصلاً من أزمات متراكمة وانقسامات حادة.


وأوضح أن التعامل مع هذه الظاهرة لا يقتصر على الجانب القانوني أو القضائي فحسب، بل يبدأ من التوعية والتثقيف وبناء ثقافة إعلامية مسؤولة لدى المواطنين، مشيراً إلى أن وزارة الإعلام، رغم محدودية صلاحياتها القانونية في هذا المجال، تسعى إلى القيام بدورها الوطني عبر إطلاق المبادرات والحملات الهادفة إلى الحد من انتشار التضليل وخطاب الكراهية.


المدرسة والجامعة في صلب المعركة ضد التضليل

وشدد مرقص على أن الوقاية تبقى أكثر فعالية من المعالجة، مؤكداً أن الوزارة تعمل على مواجهة الخطاب التحريضي قبل أن يتحول إلى أزمة فعلية أو إلى مصدر توتر بين اللبنانيين.


وفي هذا السياق، أشار إلى إطلاق سلسلة حملات توعوية بالشراكة مع منظمة اليونسكو وقوات اليونيفيل وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة اليونيسف، موضحاً أن هذه المبادرات تهدف إلى نشر الوعي حول مخاطر الأخبار المضللة وخطابات الكراهية، خصوصاً في أوقات الأزمات والحروب التي تشهد عادة ارتفاعاً ملحوظاً في تداول الشائعات والمعلومات غير الدقيقة.


وأضاف أن الوزارة وسعت دائرة التعاون لتشمل وزارة التربية والمؤسسات التعليمية، حيث جرى تعميم المواد التوعوية على المدارس والجامعات بهدف الوصول إلى فئة الشباب والطلاب، وترسيخ مفاهيم الاستخدام المسؤول لوسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.


وأكد أن حرية التعبير تبقى حقاً دستورياً مكفولاً لجميع اللبنانيين، وأن الوزارة حريصة على حمايتها وصونها، إلا أن هذه الحرية لا يمكن أن تنفصل عن المسؤولية، ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة للمساس بكرامة الآخرين أو التحريض عليهم أو الاعتداء على حقوقهم وحرياتهم.


وأوضح أن دور القضاء يبدأ عندما تتجاوز الممارسات حدود الرأي والتعبير المشروع، وتتحول إلى أفعال تندرج ضمن إطار التشهير أو التحريض أو انتهاك القوانين النافذة.


وسائل التواصل: من مساحة حوار إلى ساحة اشتباك

ورأى مرقص أن وسائل التواصل الاجتماعي أُنشئت أساساً لتكون مساحة للحوار والتفاعل وتبادل الآراء والأفكار، لا منصة للتجريح والتخوين والتنمر وإطلاق الاتهامات ونشر الشائعات.


وقال إن جزءاً كبيراً من التوتر الذي تشهده الساحة اللبنانية اليوم يتغذى من الخطاب المتشنج المنتشر عبر هذه المنصات، حيث تتحول الخلافات السياسية، في كثير من الأحيان، إلى حملات منظمة من الإساءة والتحريض الشخصي.


وأشار إلى أن الوزارة تعمل، من خلال حملاتها الإعلامية، على إعادة التذكير بالهدف الأساسي من هذه المنصات، وهو تعزيز التواصل الإيجابي بين الناس، لا تحويلها إلى ساحات مواجهة مفتوحة.


وأضاف أن التعبير الحر عن الرأي يجب أن يبقى مصاناً، لكنه لا يبرر استخدام عبارات القدح والذم والتشهير أو المساس بالمعتقدات والشعائر الدينية أو الكرامات الشخصية، مؤكداً أن بناء مجتمع ديمقراطي سليم يتطلب تحقيق التوازن بين الحرية والمسؤولية.


الأخبار المضللة خطر على الاستقرار

وفي ما يتعلق بالأخبار الكاذبة، اعتبر مرقص أن أخطر ما في هذه الظاهرة هو سرعة انتشارها، إذ يصبح من الصعب احتواؤها بعد تداولها على نطاق واسع عبر مجموعات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.


وأوضح أن المواطنين يستطيعون المساهمة في الحد من هذه الظاهرة من خلال التحقق من المعلومات قبل إعادة نشرها، والنظر إلى عدد من المؤشرات الأساسية التي تساعد على اكتشاف الأخبار المشبوهة، مثل غياب المصدر الواضح، أو احتواء الخبر على معلومات غير منطقية أو مبالغ فيها، أو استخدام صور مجتزأة أو مفبركة، أو طرح روايات تفتقر إلى الأدلة والوقائع.


وأشار إلى أن الوزارة فعّلت وحدة متخصصة للتحقق من المعلومات ومكافحة التضليل الإعلامي بالتعاون مع منظمة اليونسكو، مهمتها رصد الأخبار المتداولة والتأكد من صحتها قبل إصدار التوضيحات اللازمة بشأنها.


وأوضح أن هذه الوحدة تعمل بالتنسيق مع الوكالة الوطنية للإعلام، بحيث يجري تعميم التنبيهات المتعلقة بالأخبار المضللة على مختلف وسائل الإعلام بهدف الحد من انتشارها وتصحيح المعلومات المغلوطة في أسرع وقت ممكن.


وأكد أن نجاح هذه المهمة لا يرتبط بعمل المؤسسات الرسمية وحدها، بل يتطلب شراكة فعلية مع المواطنين الذين تقع عليهم أيضاً مسؤولية التثبت من المعلومات قبل تداولها.


قانون الإعلام الجديد: إلغاء السجن للصحافيين خطوة إصلاحية

وعن مستقبل القطاع الإعلامي، كشف مرقص أن مشروع قانون الإعلام الجديد بلغ مراحل متقدمة داخل مجلس النواب، معتبراً أنه يشكل خطوة إصلاحية أساسية نحو تحديث التشريعات الإعلامية في لبنان بما يتلاءم مع التطورات التي شهدها هذا القطاع خلال العقود الأخيرة.


وأوضح أن المشروع يتضمن مجموعة من الإصلاحات الجوهرية التي من شأنها تعزيز الحريات الإعلامية وحماية الصحافيين والعاملين في المجال الإعلامي.


ومن أبرز هذه الإصلاحات، بحسب مرقص، إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، وحظر التوقيف الاحتياطي للصحافيين، إضافة إلى إعادة تنظيم آليات المحاسبة القانونية بما ينسجم مع المعايير الدولية الخاصة بحرية الرأي والتعبير.


وأشار أيضاً إلى أن القانون الجديد يتضمن تعديلات مهمة على مستوى الجهات القضائية المختصة بالنظر في قضايا النشر، بما يسهم في توفير ضمانات أكبر للإعلاميين أثناء ممارستهم مهنتهم.


وأكد أن الوزارة تعمل بالتعاون مع شركائها المحليين والدوليين، وفي مقدمهم منظمة اليونسكو، من أجل الدفع باتجاه إقرار هذا المشروع في أقرب فرصة ممكنة.


حماية الصحافيين أولوية دائمة

وتوقف مرقص عند الاعتداءات الإسرائيلية التي طالت الصحافيين اللبنانيين خلال تغطيتهم الميدانية للأحداث، مؤكداً أن الوزارة أولت هذا الملف أهمية خاصة على المستويين المحلي والدولي.


وأوضح أن الوزارة تحركت لدى منظمة اليونسكو وعدد من المؤسسات الدولية المعنية بحرية الإعلام وحقوق الإنسان، مطالبة باتخاذ مواقف واضحة إزاء الانتهاكات التي تعرض لها الإعلاميون اللبنانيون أثناء تأدية واجبهم المهني.


كما أشار إلى التعاون القائم مع قوات اليونيفيل لتفعيل آليات الإبلاغ عن أماكن وجود الصحافيين في المناطق الخطرة ومناطق العمليات العسكرية، بهدف توفير أكبر قدر ممكن من الحماية لهم، مع الإقرار بأن طبيعة النزاعات تجعل من الصعب تقديم ضمانات كاملة في هذا المجال.


وكشف أن وزارة الإعلام ساهمت في إعداد ملفات موثقة حول الانتهاكات التي تعرض لها الإعلاميون اللبنانيون، وقدمتها إلى الجهات الدولية المختصة، كما شاركت في إعداد مذكرات احتجاج رُفعت إلى عدد من الهيئات والبعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية المعنية.


وشدد على أن استهداف الصحافيين يشكل انتهاكاً خطيراً للقوانين الدولية ولحرية العمل الإعلامي، مؤكداً أن لبنان سيواصل متابعة هذا الملف وعدم التسليم بتحويل هذه الاعتداءات إلى أمر واقع.


لا للتوقيف بسبب الرأي

وفي ما يتعلق بملف ملاحقة الصحافيين، جدد مرقص موقفه الرافض لتوقيف الإعلاميين بسبب ممارستهم حقهم في التعبير عن الرأي أو قيامهم بعملهم المهني.


وأكد أن وزارة الإعلام تنطلق من موقف مبدئي يعتبر أن مساءلة الصحافي يجب أن تتم ضمن أطر قانونية ومدنية تحترم حرية الإعلام، بعيداً عن الإجراءات التي قد تؤدي إلى تقييد هذه الحرية أو ترهيب العاملين في القطاع.


وأشار إلى أن الوزارة تعمل بالتنسيق مع وزارة العدل على اعتماد مقاربات قانونية تحد من اللجوء إلى التوقيف في قضايا النشر، ريثما يتم إقرار قانون الإعلام الجديد الذي يوفر معالجة أكثر حداثة وشمولاً لهذه المسائل.


وختم الوزير مرقص بالتأكيد أن حماية الحريات الإعلامية لا تنفصل عن حماية السلم الأهلي، وأن مواجهة الأخبار المضللة وخطابات الكراهية تتطلب جهداً مشتركاً من الدولة والمؤسسات الإعلامية والمجتمع المدني والمواطنين على حد سواء. وقال إن بناء فضاء إعلامي صحي ومسؤول يبدأ من احترام الحقيقة، والإيمان بأن الكلمة يمكن أن تكون أداة بناء واستقرار، كما يمكن أن تتحول، إذا أسيء استخدامها، إلى مصدر انقسام وتوتر داخل المجتمع.


من هنا، تتعاظم المسؤولية الملقاة على عاتق الإعلام اللبناني ورواد وسائل التواصل الاجتماعي في هذه المرحلة الدقيقة، بما يفرض تعاملاً أكثر وعياً ومسؤولية مع ما يُنشر ويُتداول من أخبار ومعلومات. فبين حرية التعبير وواجب الحفاظ على السلم الأهلي، تبقى الكلمة أمانة، قد تسهم في تعزيز الاستقرار أو في تأجيج التوترات إذا أسيء استخدامها. وفي بلد أنهكته الأزمات المتلاحقة، تبدو الحاجة ملحة إلى خطاب إعلامي رصين ومسؤول يضع مصلحة الوطن واستقراره فوق أي اعتبارات أخرى، ويحصن المجتمع من أي انزلاق نحو الفتنة أو الصراع الداخلي.