June 11, 2026   Beirut  °C
مناطق

إخبار قضائي يهزّ بلدية بيروت... شفيق بدر: دائرة الحدائق فضيحة إدارية.. والأحزاب انشغلت بتقاسم النفوذ

يبدو أن ملفات الفساد وهدر المال العام في لبنان لا تعرف نهاية، على الرغم من كل الوعود التي أُطلقت على مدى السنوات الماضية بشأن المحاسبة وتعزيز الرقابة ومكافحة الهدر. فهذه الآفة التي لا تزال تنخر معظم المؤسسات والإدارات والقطاعات العامة، تنسحب أيضا على بلدية بيروت التي علّق أبناء العاصمة آمالا كبيرة على مجلسها الجديد لإحداث تغيير في أسلوب الإدارة ومعالجة مكامن الخلل المتراكمة منذ عقود.

إلا أن الشبهات بدأت تتكشف تباعا، لتفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول آليات الإنفاق والتلزيم والرقابة داخل البلدية.

وفي هذا السياق، برزت قضية دائرة الحدائق في بلدية بيروت إلى الواجهة بعد الخطوة القضائية التي قام بها الناشط البيروتي شفيق بدر، والتي أعادت تسليط الضوء على ملفات يُشتبه بأنها تنطوي على هدر للمال العام ومخالفات إدارية تستوجب التحقيق والمساءلة.


وفي التفاصيل، قُدِّم بتاريخ 9 حزيران 2026 إخبار أمام النيابة العامة المالية حمل الرقم 1151/2026 من المحامي علي عباس والناشط بدر، بموضوع ما وصفاه بملف الهدر والفساد في دائرة الحدائق في بلدية بيروت التي تترأسها السيدة منى عماش.


ويتناول الإخبار، بحسب مقدميه، السلفات المالية المتكررة الممنوحة إلى المتعهد خليل زيدان، في ظل غياب الرقابة والتدقيق الفعليين، إضافة إلى أعمال متكررة بمبالغ مالية طائلة شملت التشحيل والري والنكش ورش المبيدات وتأمين اليد العاملة وأعمالا مرتبطة بحرش بيروت ومرافق أخرى. كما أشار مقدما الإخبار إلى أن التحقيق المرتقب من شأنه أن يكشف، وفق ما ورد في الشكوى، وقائع وملفات وصفاها بالصادمة.


وللوقوف عند خلفيات هذا الملف، أوضح الناشط شفيق بدر عبر منصة "بالعربي" أن مجموعة من الناشطين والمحامين من أبناء بيروت باشرت منذ سنوات بمتابعة ما وصفه بملفات فساد داخل بلدية بيروت، مشيرا إلى أن هذه المتابعة تمتد من عهد المحافظ السابق زياد شبيب وصولا إلى المرحلة الحالية، وتشمل مختلف الإدارات والمسؤولين المتعاقبين.


وقال إن الآلية المعتمدة في بلدية بيروت تقوم على تجزئة العقود والتلزيمات بصورة تؤدي إلى تفادي الرقابة المسبقة واللاحقة التي تمارسها الجهات المختصة، ومنها التفتيش المركزي وديوان المحاسبة، إضافة إلى تجنب اللجوء إلى المناقصات العلنية، معتبرا أن البلدية تشهد نوعا من الاحتكار في منح التعهدات، حيث تتركز الأعمال لدى عدد محدود جدا من المتعهدين أو لدى متعهد واحد، ما يحول دون إتاحة الفرصة أمام شركات ومتعهدين آخرين للمنافسة.


وأشار بدر إلى أن ملف النظافة في بلدية بيروت يشكل نموذجا على هذه الإشكاليات، متحدثا عن وجود اعتراضات داخل المجلس البلدي على بعض التلزيمات. وذكر باستقالة رئيس لجنة فض العروض في إحدى المراحل على خلفية الاعتراض على آلية إقرار أحد العقود.


وقال إن المتعهد الذي كان يتولى أعمالا مرتبطة بإدارة الحدائق والمساحات العامة في ملف حرش بيروت عاد إلى الحصول على عقود جديدة من خلال آليات وصفها بأنها غير قانونية، معتبرا أن هذا المتعهد يدير شركات عدة تتنافس في ما بينها شكليا، فيما تبقى الأعمال محصورة ضمن الدائرة نفسها.


وشدد بدر على رفضه لسياسة السلفات المالية التي تُمنح للموظفين أو للجهات المتعاقدة بالطريقة المعتمدة حاليا، منتقدا ما وصفه بعروض الأسعار التي تُقدَّم بعيدا عن الشفافية ثم تُمرَّر من دون رقابة كافية، لتتحول إلى عقود بملايين الدولارات. وأكد أن الحل يكمن في اعتماد مزايدات ومناقصات علنية تضمن المنافسة والشفافية.


وأوضح أن الناشطين يتابعون حاليا ملفات عدة، من بينها ملف حرش بيروت وملف مواقف السيارات في العاصمة، معتبرا أن القضاء مطالب بالتحرك والتحقيق في هذه القضايا.


وكشف بدر عن تعرضهم لضغوط بهدف وقف متابعتهم لهذه الملفات، إلا أنهم مستمرون في العمل الرقابي وكشف المخالفات.


وفي ما يتعلق باستخدام مصطلح "الفساد"، رأى أن توصيف بعض الممارسات بهذا الوصف بات يثير حساسية لدى البعض على الرغم من وجود مؤشرات ووقائع تستدعي المساءلة، مشيرا إلى ما وصفه بانتشار المحسوبيات وتردي أوضاع الأرصفة والدرابزينات والبنى التحتية في شوارع بيروت، إضافة إلى مظاهر الإهمال المنتشرة في العديد من المناطق.


وأكد بدر أن مسؤولية هذا الواقع لا تقع على عاتق المجلس البلدي الحالي فقط، بل تتحملها المجالس البلدية المتعاقبة على إدارة العاصمة، معتبرا أن الأحزاب والقوى السياسية التي شاركت في إدارة المدينة انشغلت بتقاسم النفوذ والمكاسب أكثر من انشغالها بمعالجة المشكلات الأساسية وتحسين الخدمات العامة.


وفي معرض حديثه عن دور وزارة الداخلية والبلديات، اعتبر أن الوزارة تتحمل مسؤولية مباشرة عن جزء كبير مما يحصل في بلدية بيروت، بصفتها الجهة الوصية على البلديات، مشيرا بشكل خاص إلى دور المراقب المالي. وتساءل عن كيفية الموافقة، في السابق، على السلفات المتكررة التي مُنحت خلال السنوات الماضية.


وفي المقابل، لفت بدر إلى أن المراقب المالي الحالي يتخذ مواقف أكثر تشددا في ما يتعلق بالإنفاق والموافقات المالية، الأمر الذي أدى إلى اعتراضات من بعض أعضاء المجلس البلدي وبعض المتعهدين، بسبب مطالبته بإجراء مناقصات واعتماد الأصول القانونية في التلزيمات، متطرقا إلى أوضاع فوج إطفاء بيروت. واعتبر أن عناصر الفوج يؤدون أدوارا لا تندرج ضمن مهامهم الأساسية، ومنها أعمال مرتبطة بري الحدائق والمساحات الخضراء، على الرغم من المخاطر الكبيرة التي يواجهونها في أداء واجباتهم الأساسية المتعلقة بحماية المواطنين ومكافحة الحرائق.


كما وصف أوضاع دائرة الحدائق بأنها تشكل فضيحة إدارية تستوجب التحقيق، مذكرا بملفات سبق أن أثارها تتعلق بخزينة البلدية والأموال التي قال إنها كانت مخفية عن الرأي العام. وأكد أن دائرة الحدائق تعاني من مشكلات كبيرة، مشيرا إلى أن معظم الأعمال تُنفذ من خلال متعهد واحد حصل على سلفات مالية بمئات آلاف الدولارات، في ظل غياب المنافسة الحقيقية ووجود شبهات سبق أن أُثيرت منذ سنوات.


في الختام، يبقى السؤال الأبرز: هل تتحول الوعود المتكررة بمكافحة الفساد وتعزيز الرقابة والمحاسبة إلى أفعال ملموسة، أم إنها ستبقى مجرد شعارات تُرفع عند كل استحقاق؟ فطالما تستمر الصفقات بعيدا عن الشفافية، وتبقى المحسوبيات والهدر من دون محاسبة فعلية، سيظل الفساد متجذرا في مؤسسات الدولة، فيما يدفع اللبنانيون مجددا ثمن غياب الإصلاح الحقيقي وحماية المال العام.