انتهى زمن الحروب التقليدية التي تخاض بالمواجهات العسكرية على الأرض، لتظهر في السنوات الأخيرة مفاهيم جديدة دخلت في صلب النزاعات، وساهمت إلى حد كبير في إثبات فاعليتها لناحية تغيير موازين القوى وإحداث فارق لصالح أحد الأطراف المتصارعة.
إنها بلا شك حرب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، التي باتت الرافد الأساسي للعمليات العسكرية والاستخباراتية، والتي تحدد، لمن يمتلكها، قدرة نسبية على السيطرة على الخصم، أو على الأقل امتلاك أدوات دفاعية تتيح معرفة مكامن ضعف الطرف الآخر والانقضاض عليه متى أمكن.
هذا النوع من الحروب شهدناه، ولا نزال نشهده، في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وخلال عدد من النزاعات الأخرى. إلا أن الاستخدام الأبرز له ظهر في الحرب الدائرة منذ أواخر العام 2023 بين حزب الله وإسرائيل، حيث تعتمد الأخيرة بشكل كبير على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لتتبع عناصر الحزب واستهدافهم.
وما ذكره تقرير مجلة Los Angeles Times حول اعتماد إسرائيل على كمية هائلة من البيانات في تعقب هؤلاء العناصر بنسبة خطأ متدنية جدا، ليس إلا دليلا قاطعا على تحول الذكاء الاصطناعي إلى سلاح استخباراتي فعال يفوق بأضعاف النمط البشري التقليدي.
فكيف استطاعت إسرائيل تحديد تلك البيانات وتحويلها إلى بنك أهداف لعملياتها العسكرية؟ وما الذي يمنع لبنان، الذي يمتلك كوادر بشرية ذات قدرات فكرية وعلمية لا تقل شأنا عما تمتلكه إسرائيل من أدمغة، من تطوير نفسه واللحاق بركب هذا المستوى المتقدم من التكنولوجيا، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي؟
في هذا السياق، أكد الاستشاري في شؤون التكنولوجيا الإعلامي عامر طبش أن إسرائيل تمتلك اليوم منظومة متكاملة من الأدوات التكنولوجية التي تستخدمها في جمع المعلومات الاستخباراتية، تشمل الأقمار الصناعية، والطائرات المخصصة للتجسس الإلكتروني التي تحلق على ارتفاعات شاهقة يصعب رصدها، إضافة إلى الطائرات المسيرة أو ما يعرف بـ "الدرون"، موضحا أن هذه الأدوات مجتمعة تؤمن تدفقا هائلا من البيانات والمعلومات التي تتنوع بين الصور، والتسجيلات الصوتية، وتحليل الاتصالات، والقياسات الرقمية، وغيرها من المعطيات التي تُضخ داخل أنظمة تحليل متطورة تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن ما يعرف بالذكاء الاصطناعي لا يقتصر على مفهوم تقني بسيط، بل هو منظومة متقدمة للغاية قادرة على معالجة وتحليل كميات ضخمة من المعلومات بسرعة تفوق القدرات البشرية بآلاف ومئات آلاف المرات، ما يجعلها جاهزة للإجابة عن أي استفسار أو تحديد أي نمط سلوكي بصورة شبه فورية. وقال إن هذه الأنظمة تعتمد على آلية "الإشارات التحذيرية" أو ما يسمى بـ"Flags" ، حيث تقوم الخوارزميات بتحديد نسبة احتمال مرتفعة لارتباط شخص معين بحزب الله أو بتعامله معه، استنادا إلى البيانات التي تُجمع وتُحلل من الاتصالات والتحركات وسائر الأنشطة الرقمية.
ولفت طبش إلى أن القرار النهائي لا يصدر عن الذكاء الاصطناعي نفسه، بل يبقى بيد العنصر البشري داخل المؤسسة العسكرية أو الأمنية الإسرائيلية، سواء في الجيش أو وزارة الدفاع أو الأجهزة المرتبطة بها، حيث يُتخذ بعد ذلك اتخاذ قرار تنفيذ الاغتيال أو الامتناع عنه بناء على نتائج التحليل الرقمي، مشددا على أن الحديث عن هذا التطور التكنولوجي لا يشكل بأي شكل من الأشكال دفاعا عن إسرائيل. وأكد أن نسبة الخطأ في هذه المنظومات تبقى متدنية جدا بسبب الحجم الضخم للبيانات التي تُعالج داخل منظومات متطورة تعمل بصورة متواصلة.
وقال إن المشكلة الأساسية تكمن في الفجوة التكنولوجية الكبيرة التي تفصل لبنان عن إسرائيل، معتبرا أن الأخيرة لا تعتمد فقط على القوة البشرية أو العسكرية التقليدية، بل على تفوق تكنولوجي هائل يشكل أحد أبرز عناصر قوتها.
وأكد طبش أن إسرائيل تنظر إلى أي تقدم لبناني، سواء كان اقتصاديا أو تكنولوجيا أو علميا، على أنه تهديد مباشر لها، لافتا أن لبنان أخفق خلال السنوات الماضية في مواكبة التطور التكنولوجي المتسارع، سواء على مستوى البنية التحتية الرقمية أو الإنترنت أو مراكز البيانات أو السياسات المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة. وأشار إلى أن هذا التأخر خلق أزمة حقيقية في القدرة على مجاراة التطور الإسرائيلي في هذا المجال.
وفي ما يتعلق بالمسؤولية القانونية، أوضح أن الإدانة لا ترتبط باستخدام إسرائيل الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل بالفعل الإجرامي الناتج عنه، أي عمليات الاغتيال والتدمير التي تنفذها. وقال إن الوسيلة التكنولوجية ليست موضع الإدانة القانونية، تماما كما لا تُحاسَب الطائرة بحد ذاتها، بل القرار الذي أدى إلى إطلاق الصاروخ والتسبب بالقتل.
وشدد طبش على أن المسؤولية تقع على الذين يتخذون قرارات الاستهداف داخل المنظومة العسكرية الإسرائيلية، وهم الذين يجب أن يخضعوا للمساءلة والمحاكمة أمام المحافل الدولية.
في ضوء ما تقدم، لا يمكن للبنان، الذي علم العالم الحرف، وأسهم في بناء وتطوير عدد من الدول في شتى المجالات، وكان رائدا في القطاعات الطبية والهندسية والعلمية والاقتصادية والإعلامية والسياحية، أن يبقى بعيدا عن مواكبة التطورات التكنولوجية، لا سيما المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وتقع هذه المسؤولية بالدرجة الأولى على عاتق السلطة اللبنانية، إضافة إلى المؤسسات التعليمية وسوق العمل في الداخل، إذ بات من واجبها جميعا الاستثمار في طاقات الشباب اللبناني وعقولهم، بدلا من ترك الخارج يستثمر فيهم عبر الهجرة.