May 16, 2026   Beirut  °C
صحة

الدكتور جورج جوفيليكيان: هانتا خطير… لكن انتقاله بين البشر نادر ولا داعي للهلع

مع تزايد الحديث في الأيام الأخيرة عن فيروس "هانتا" بعد تسجيل إصابات ووفيات مرتبطة به، عاد هذا الفيروس النادر إلى واجهة الاهتمام الصحي، مثيرًا موجة من القلق والتساؤلات حول مدى خطورته وإمكانية تحوله إلى تهديد عالمي جديد شبيه بجائحة كورونا.

ورغم المخاوف التي ترافق أي حديث عن فيروس قاتل، يؤكد الأطباء والخبراء أن "هانتا" يختلف جذريًا عن الفيروسات سريعة الانتشار، إذ يرتبط أساسًا بالقوارض وينتقل في ظروف محددة، ما يجعل خطر تفشّيه الواسع محدودًا للغاية.

وفي هذا السياق، صرح الدكتور جورج جوفيليكيان، الأستاذ المشارك في قسم الأمراض الصدرية في الجامعة الأميركية في بيروت، أن فيروس الهانتا يُتعامل معه طبيًا كحالة رئوية خطيرة، نظرًا لوجود نوعين أساسيين من الالتهابات التي قد يسبّبها.


وأوضح في حديثه لمنصة "بالعربي" أن النوع الأول يصيب الكلى ويتسبب بما يُعرف بـ"الحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية" (HFRS)، فيما يؤثر النوع الثاني على الرئتين ويسبب "المتلازمة الرئوية المرتبطة بفيروس الهانتا" (Hantavirus Pulmonary Syndrome)، وهي حالة قد تكون شديدة الخطورة، إذ تصل نسبة الوفيات فيها إلى ما بين 40 و50 في المئة من الحالات.


ولفت إلى أن الفيروس ينتقل من القوارض إلى الإنسان، غالبًا عبر استنشاق جزيئات دقيقة ملوثة ببول أو براز القوارض، أو من خلال ملامسة أسطح ملوثة بهذه الفضلات ثم انتقالها إلى الجهاز التنفسي أو الفم.


وأشار إلى أن العدوى لا تحدث بسهولة، إذ تحتاج عادةً إلى تماس مباشر أو قوي مع القوارض أو أماكن انتشارها، لذلك يبقى انتشار الفيروس محدودًا نسبيًا. ولهذا السبب تُسجل الإصابات غالبًا في مناطق تعاني من كثافة القوارض وسوء شروط النظافة، خصوصًا في بعض المناطق الريفية أو الفقيرة.


وأضاف أن هذه الحالات كانت تُسجل تاريخيًا في بعض مناطق الصين وغيرها، لكنها تراجعت مع الوقت نتيجة تحسن إجراءات الصحة العامة ومكافحة القوارض.


وفي ما يخص انتقال العدوى من إنسان إلى إنسان، أوضح أن هذا الاحتمال يُعد نادرًا جدًا في أغلب السلالات، إذ يبقى المصدر الأساسي للإصابة هو القوارض وليس الإنسان. وأكد أن الاحتمال ضعيف للغاية، سواء في لبنان أو عالميًا، ولا يبرر أي حالة هلع أو تضخيم للمخاطر.


واستثنى من ذلك سلالة "الأنديز" (Andes strain)، التي سُجل معها تاريخيًا احتمال محدود لانتقال العدوى بين البشر، غير أن هذا الانتقال يبقى استثنائيًا وصعب الحدوث، ولا يشكل نمطًا وبائيًا مستمرًا.


وانطلاقًا من ذلك، أكد أن فيروس الهانتا لا يمتلك خصائص الانتشار السريع بين البشر، ولا يُشبه في طبيعته الوبائية فيروسات مثل الإنفلونزا أو كوفيد-19، ولا يُتوقع أن يؤدي إلى انتشار واسع أو وباء مجتمعي.


وفي ما يخص الحالات التي سُجلت على متن سفينة سياحية، أوضح أنها شملت نحو 11 إصابة، مع تسجيل حوالي ثلاث وفيات، مشيرًا إلى أنّ الأرقام كانت تقديرية وغير نهائية.


وأشار إلى أن هذه المعطيات تتماشى مع ما هو معروف عن بعض الأشكال الشديدة من المرض، حيث قد تتراوح نسبة الوفاة بين 25 و40 في المئة، بحسب شدة الحالة وسرعة التشخيص وجودة الرعاية الطبية.


وأضاف أن هؤلاء يُرجح أنهم أصيبوا بسلالة "الأنديز" (Andes strain)، وذلك بحسب دراسات وتحاليل جينية (DNA) أظهرت هذا الاحتمال، مع الإشارة إلى أنّ الاختلاط والقرب بين الأشخاص في مناطق مكتظة أو مغلقة قد يكون ساهم في انتقال العدوى بشكل محدود.


ومع ذلك، شدد على أن هذا النوع من الانتقال يبقى محدودًا جدًا ولا يؤدي إلى انتشار واسع.


وأضاف أنه لا يرى أن الموضوع يستحق تهويلًا، نظرًا لضعف قدرة الفيروس على الانتشار بين البشر.


وشدد على أن علاج فيروس الهانتا لا يعتمد على دواء نوعي مباشر، بل على دعم وظائف الجسم ومعالجة المضاعفات، خصوصًا في الحالات الشديدة، لافتًا إلى أنّ التشخيص المبكر يبقى عاملًا أساسيًا لتحسين فرص العلاج والحد من المضاعفات الخطيرة، مثل فشل الجهاز التنفسي أو تأثر القلب والأوعية الدموية، إلى حين تقديم الدعم الطبي للمريض حتى يتغلّب الجسم على الفيروس.


إذاً، وبكل بساطة: فيروس الهانتا ليس "كورونا" جديدًا، ولا هو مشروع وباء يهدد البشرية بالانقراض. الفيروس خطير وصعب على من يُصاب به، لكنه لا ينتشر بسهولة بين الناس. وسلاحنا الحقيقي ضده ليس "الكمامة"، بل النظافة الجيدة، ومكافحة القوارض، وتجنب مصادر التعرض له.