في مشهدٍ خطير يعكس حجم الانحدار في الخطاب العام، شهدت الساعات الماضية تطاولًا غير مسبوق على رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، تمثّل بسيلٍ من الشتائم والإهانات التي أطلقها البعض بحق رئيس الجمهورية، لمجرّد أنّه يتحدّث بمنطق الدولة والمؤسسات، ويعيد التأكيد على ثوابت السيادة واحترام الدستور والقانون. هذا السلوك، الذي لم يعد يمكن تبريره تحت أي عنوان سياسي أو شعبي، يُشكّل اعتداءً مباشرًا على مقام الرئاسة وعلى فكرة الدولة نفسها، قبل أن يكون إساءةً لشخص الرئيس.
الاختلاف السياسي حقّ مشروع والنقد حقّ مكفول، لكنّ ما حصل يتجاوز النقد إلى التشهير، الإهانة والتحريض، وهو سلوك لا يمتّ إلى العمل السياسي بصلة، بل يندرج في إطار الفوضى اللفظية التي تهدّد السلم الأهلي وتُسهم في تطبيع خطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي. الأخطر في هذا المشهد أنّه يُراد له أن يصبح أمرًا عاديًا، وكأنّ شتم الرؤساء والمسؤولين بات وسيلة تعبير سياسية، فيما هو في الحقيقة اعتداء على هيبة الدولة ومؤسساتها.
في المقابل، يُسجَّل تحرّك واضح للأجهزة الأمنية والقضائية، التي لم تقف هذه المرّة موقف المتفرّج. فقد أُوقِفَ عدد من المتورّطين في إهانة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. هذه الخطوات تحمل رسالة واضحة مفادها بِأَنَّ زمن الإفلات من المحاسبة بدأ يتراجع وأنّ الدولة، حين تقرّر أن تطبّق القانون، تستطيع أن تفرض احترامها.
وفي هذا السياق، عَلِمَت مِنصّة "بالعربي" أنّ عددًا من النواب يتّجهون إلى القضاء، لوضع حدّ نهائي لكلّ من يتطاول، يُسيء ويُشهّر بالأشخاص، أيًّا تكن مواقعهم، عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو غيرها. الهدف ليس حماية أشخاص، بل حماية الحياة العامة من الانحدار وترسيخ مبدأ أنّ الكرامة الشخصية مصونة وأنّ حرّية التعبير لا تعني حرّية الإهانة.
هذا التوجّه القضائي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى مناخ جديد بدأ يتشكّل في البلاد، عنوانه استعادة هيبة القضاء ودوره. فبعد قرار منع المحاكمة عن المحقّق العدلي وصدور حكم محكمة بداية بيروت بإلزام الوزيرين السابقين علي حسن خليل وغازي زعيتر بدفع تعويضات بسبب التعسّف في استعمال حق الادّعاء، الدفاع وتسويف ملف انفجار مرفأ بيروت، بدأت تتكرّس قناعة بأنّ القضاء لم يعد الحلقة الأضعف في الدولة. يضاف إلى ذلك فتح ملفات فساد حسّاسة وملاحقات تطال وزراء سابقين وموظفين في قطاعات مختلفة، في مشهد لم يكن مألوفًا في السنوات الماضية.
كلّ هذه المؤشّرات تُشكّل عناصر تشجيع حقيقية لأيّ مسار محاسبة، سواء في قضايا الفساد أو في قضايا الإهانة والتشهير. فاللغة التي اعتاد عليها البعض، لغة الشتائم، التحريض وكسر هيبة الدولة، يجب أن تتوقّف. لا يمكن بناء دولة في ظلّ فوضى لفظية، ولا يمكن حماية الديموقراطية إذا تحوّلت وسائل التواصل إلى ساحات إعدام معنوي بلا رقيب أو محاسبة.
الدولة لا تستقيم إلّا بقضاء عادل وقوي، يطبّق القانون على الجميع بلا استثناء ويحمي كرامة الأفراد وهيبة المؤسسات في آنٍ معًا. وما يحصل اليوم من تحرّكات قضائية وأمنية، إن أُحسن استكماله، قد يشكّل نقطة تحوّل حقيقية: من منطق الفلتان والتطاول، إلى منطق الدولة، حيث الكلمة مسؤوليّة، المحاسبة واجب والكرامة خطّ أحمر.