أعادتِ الهزّاتُ الأرضية التي شعر بها عددٌ من سكانِ لبنان ليل السبت المخاوف من الزلازل، لا سيّما في ظلِّ واقعٍ عمرانيٍّ هشّ ومبانٍ قديمةٍ قد تفتقر في كثيرٍ من الأحيان إلى معايير السلامة، خصوصًا في ظلِّ القلق المتراكم لدى اللبنانيين نتيجة هزّاتٍ شهدتها البلاد في سنواتٍ سابقة وأثارت مخاوف واسعة لدى السكان.
وفي حين يبقى اللبنانيون على ترقُّبٍ لاحتمالية حصول هزاتٍّ أخرى، وسط تساؤلٍ حول ما إذا كانت هذه التحركات الأرضية محدودةً وعابرة، أم مؤشّر على نشاط زلزالي أوسع قد يستدعي الحذر.
في هذا السياق، أوضح الأستاذ المحاضر والباحث في الجيولوجيا وعلم الزلازل، الدكتور طوني نمر، أنّ الهزّة الأرضية والزلزال هما عمليًا الظاهرة نفسها من الناحية العلمية، مؤكدًا أن التصنيف يختلف بحسب قوة الاهتزاز وتأثيره.
وقال عبر منصّة "بالعربي" إنّ الهزّات التي تقلّ قوتها عن خمس درجات على مقياس ريختر تُصنَّف عادةً كهزّاتٍ أرضية، بينما يُستخدم مصطلح زلزال عندما تتجاوز هذه العتبة، خصوصًا إذا صاحبتها آثار مادية أو بشرية، مشيرًا إلى أنّ الاهتزازات الخفيفة التي لا تُخلّف أضرارًا تُصنَّف عادةً كهزّاتٍ محدودة.
وأشار نمر إلى أنّ هذه الاهتزازات نادرًا ما تحدث بمعزل عن بعضها، إذ غالبًا ما تتبع أي هزّة ارتدادات متفاوتة القوة، موضحًا أنّ الهزّة التي سُجّلت ليلة السبت وبلغت نحو 3.4 درجات تبعتها هزّتان إضافيتان أضعف، إحداهما تُعدّ ارتدادية لوقوعها على الفالق نفسه وقربها الزمني والمكاني، مؤكدًا أنّه لا يمكن علميًا التنبؤ بما إذا كانت الهزّات اللاحقة ستكون أقوى، إذ يبقى الأمر مرتبطًا بتطورات طبيعية لا يمكن حسمها مسبقًا. ولفت إلى أنّ وقوع الاهتزازات على فوالق صغيرة يجعل احتمال ظهور زلازل كبيرة أمرًا غير مرجّح حاليًا.
وأوضح أنّ لبنان يقع ضمن منطقة شهدت تاريخيًا هزّات وزلازل، مشيرًا إلى أنّ الأمر يعود إلى وجود فالق البحر الميت الذي يشكّل الحدّ الفاصل بين الصفيحتين العربية والأفريقية. وقال إنّ استمرار هذه العوامل الجيولوجية يُبقي احتمال وقوع زلازل قائمًا على المدى الطويل، مؤكدًا أنّ الهزّات الأخيرة مرتبطة بالتحركات الأرضية والفوالق في شرق البحر المتوسط تحت قاع البحر، لكنها تبقى منفصلة تمامًا عن فالق البحر الميت الذي يمر برًّا.
وفي ما يتعلّق بالتوصيات، شدّد نمر على ضرورة تجنّب الهلع أثناء الاهتزازات، مؤكدًا أهمية اتباع سلوكيات وقائية أساسية مثل التمركز في أماكن آمنة داخل المنزل، والابتعاد عن الزجاج والرفوف والأغراض القابلة للسقوط، والانتظار حتى انتهاء الاهتزازات. وبعد توقفها، يُنصح بتفقّد المباني للتأكد من عدم وجود تشققات أو أضرار تهدّد السلامة، مع متابعة التوجيهات الصادرة عن الجهات المختصة عبر وسائل الإعلام.

