لم تكن حديقة المفتي حسن خالد تفصيلًا عمرانيًا عابرًا في مدينةٍ أنهكها الإسمنت، بل كانت واحدة من آخر ما تبقّى من رئة بيروتية حقيقية، مساحة خضراء تمتدّ على نحو خمسة آلاف متر مربّع في قلب تلة الخياط، متنفسًا يوميًا للأهالي وامتدادًا حيًا لذاكرة العاصمة، تمامًا كما حديقة الصنائع. كانت مكانًا للحياة في مدينة تضيق يومًا بعد يوم ومساحة عامة لم تبتلعها بعد شراهة الباطون وصفقات "التطوير".
لكن في 16 آب 2019، اتُّخذ القرار الأخطر: اقتلاع الحديقة لا صيانتها وتدميرها لا تطويرها، تحت عنوان مخادع يقول بإنشاء مرأب للسيارات تحتها ثم "إعادة تأهيلها". يومها، خرج رئيس بلدية بيروت آنذاك جمال عيتاني ليطمئن البيروتيين بأن الحديقة "ستعود أفضل مما كانت". عبارة إنشائية سرعان ما تحوّلت إلى غطاء سياسي وأخلاقي لواحدة من أفدح الجرائم المرتكبة بحق الفضاء العام في بيروت.
لم تكن الحديقة مجرد مساحة خضراء يمكن تعويضها بنباتات موسمية. كانت مليئة بأشجار معمّرة، بعضها سبق الحرب الأهلية وبحجارة قديمة تشكّل جزءًا من هوية المكان وذاكرته البصرية. ومع ذلك، تقرّر هدمها لتنفيذ مشروع مرأب ضخم في العقار 202 – المصيطبة، مؤلّف من أربع طبقات تحت الأرض تستوعب 440 سيارة، إضافة إلى 69 موقفًا فوق الأرض.
منذ اللحظة الأولى، كان السؤال بديهيًا ولا يحتاج إلى خبراء: كيف يمكن زرع أشجار معمّرة فوق مرأب إسمنتي بهذا الحجم؟ وأي تقنيات ستُستخدم؟ ومن يتحمّل المخاطر البيئية والهندسية في منطقة مكتظة أصلًا؟
لكن القرار لم ينتظر أي إجابة. في خلال أسابيع قليلة، سُوّيت الحديقة بالأرض. اختفت الأشجار. اختفى الحجر القديم. اختفت الذاكرة. ولم يبقَ سوى حفرة ضخمة في قلب بيروت، شاهدة على عقلية تتعامل مع المساحات العامة بوصفها عقارات قابلة للاستثمار لا حقوقًا جماعية لا يجوز المسّ بها.

بعد اندلاع ثورة 17 تشرين وما تلاها من تطورات سياسية واقتصادية، توقّف المشروع بذريعة الأزمة المالية، فرق العملة ونقص التمويل. غير أن ما لم يتوقف كان الإهمال. تُرك الموقع مهملًا لسنوات وتحولت الحديقة المُدمَّرَة إلى مكب نفايات مفتوح، في مشهد مهين لمدينة تدّعي أنها عاصمة ولبلدية لم تكلّف نفسها حتى عناء تفسير ما حصل.
الأخطر من الإهمال كان الصمت. لا محاسبة، لا مساءلة، لا تحقيق. لم يُطرح سؤال واحد على رئيس البلدية أو المجلس البلدي أو محافظ بيروت: أين ذهبت الأشجار المعمّرة؟ من سرق الحجر القديم؟ من استفاد؟ ومن وفّر الغطاء السياسي والإداري لكل ما حصل؟ كأن الحديقة لم تكن يومًا ملكًا عامًا وكأن تدميرها حدث عابر لا يستحق حتى توضيحًا.
في 14 نيسان 2025، عاد الملف إلى الواجهة بحفل رسمي لوضع حجر الأساس لإعادة "تأهيل" حديقة المفتي حسن خالد، بتمويل من الحكومة الألمانية عبر "بنك التنمية الألماني". حصل الاحتفال بحضور ممثلين عن السفارة الألمانية والبنك الألماني للتنمية، إضافة إلى محافظ بيروت، رئيس وأعضاء المجلس البلدي، نواب وممثل عن مفتي الجمهورية. قُدّم المشهد وكأنه تصحيح لمسار خاطئ وفرصة لإعادة الاعتبار للمكان.
لكن مع تقدّم الأعمال، بدأ الغضب يتصاعد. تصميم هندسي غريب، غياب شبه كامل للخضار، وكأن الهدف لم يكن إعادة الحديقة إلى الناس بل تسليمهم نسخة إسمنتية عنها. واليوم، مع اقتراب الانتهاء، تبيّن أن ما أُنجز ليس حديقة بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل كتلة إسمنتية خانقة، أقرب إلى سجن مفتوح منها إلى مساحة عامة، بلا ظلّ، بلا روح.
ما حصل في حديقة المفتي حسن خالد ليس خطأً تقنيًا ولا سوء تقدير هندسي. إنه نموذج صارخ عن إدارة المدينة كغنيمة وعن ذهنية تعتبر أن ما لا يدرّ ربحًا مباشرًا يمكن التضحية به بلا تردّد. جريمة تشويه مكتملة الأركان نُفّذت على مراحل: قرار سياسي، تنفيذ متسرّع، إهمال متعمّد، ثم "تأهيل" شكلي يقتل ما تبقّى من روح المكان. وفي بيروت، لا تُقتل الحدائق بالقنابل وحدها، بل بالقرارات ولا تُدمَّر الذاكرة بالحروب فقط، بل بالصمت عنها.
إلى أن تُفتح هذه الملفات ويُسأل كل من قرّر غطّى ووقّع، ستبقى حديقة المفتي حسن خالد شاهدًا إسمنتيًا على مدينة تُعاد صياغتها ضد أهلها، ومن دون أي خجل.
