شهد لبنان في خلال السنوات الماضية انخفاضًا ملحوظًا في كمية الأمطار، مِمَّا أدى إلى تراجع المخزون المائي الوطني وترك آثارًا سلبية على القطاعات الحيوية كافة، من الزراعة والصناعة إلى البيئة، وصولًا إلى حياة المواطنين اليومية، التي تأثرت بشكل مباشر بشح الموارد في خلال فصل الصيف.
ومع بداية هذا الشتاء، بدأت الأمطار تتساقط بوتيرة أفضل مقارنة بالسَّنة الماضية، ما منح بعض الأمل بتحسن جزئي في المخزون المائي، لكنه يبقى محدودًا مقارنة بالاحتياجات الفعلية. ومع ذلك، يطرح هذا الواقع تساؤلًا أساسيًا: هل تكفي هذه الأمطار لتحسين الوضع المائي في لبنان أم أن البلاد لا تَزَال أمام تحديات كبيرة تواجه شح المياه في الصيف المقبل؟
في هذا السياق، اعتبر الخبير المائي جلال حلواني أنّ الوضع المائي في لبنان لا يَزال يُعتبر حرجًا، مؤكدًا أنّ المخزون الاستراتيجي من المياه منخفض بشكل كبير نتيجة شحّ الأمطار في خلال السنوات الماضية. وأوضح أن الأمطار التي هطلت في الشهر الماضي وبداية هذا الشهر ساعدت جزئيًا في تحسين الوضع، لكنها لم تكن كافية لتعويض النقص الكبير الناتج عن شتاء جاف وانخفاض معدلات الهطول مقارنة بالسنوات السابقة، مشيرًا إلى أنّ استهلاك المياه في لبنان يفوق الموارد المُتَاحَة، ما يخلق فجوة مائية خطيرة تهدد الأمن المائي.
ولفت عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ لبنان شهد شتاءً جافًا في العام 2025، حيث انخفضت معدلات الهطول بنسبة 30% مقارنة بالسنوات السابقة وتراجعت كمية الثلوج التي تغذي الأنهار والمياه الجوفية بشكل كبير، داعيًا إلى انتظار نهاية شهر شباط لتقييم استعادة المخزون الجوفي بشكل دقيق.
وأشار حلواني إلى أنّ التنبؤ بموسم الصيف المُقبِل صعب، لا سيما في ظل التَغَيُّر المناخي العالمي الذي يزيد من تقلبات الطقس في لبنان، مشيرًا إلى احتمالية صيف طويل وجاف، حاجة السلطات إلى اعتماد إدارة صارمة للمياه، وضع خطة طوارئ منذ بداية نيسان وعدم انتظار حدوث الأزمات لتقرير الإجراءات.
ولفت إلى أنّ التعامل الحالي مع البيانات العلمية المتعلقة بالمياه لا يزال محدودًا وأنّ غياب التقنيات الحديثة لرصد الموارد المائية واستغلالها بشكل فَعَّال في المؤسسات المعنية يفاقم من حدة الأزمة، مؤكدًا أنّ الأرقام المتاحة لا تتطابق بين مصدر وآخر ويُتَعَامَل مَعَ المشكلات فقط عند حدوثها مِن دُونِ متابعة علمية مسبقة.
وأكّد حلواني أنّ الصيف الماضي شهد جفافًا غير مسبوق، حيث جَفَّ عدد مِنَ البحيرات والينابيع وتراجعت مستويات المياه الجوفية بشكل واضح، ما أثّر مباشرة على حياة اللبنانيين الذين اضطروا للاعتماد على صهاريج المياه بأسعار مرتفعة، إضافة إلى خسائر كبيرة تكبدها القطاع الزراعي نتيجة تقليص المساحات المزروعة وفشل بعض المحاصيل، مشيرًا إلى أنّ بعض المزارعين لجأوا إلى استخدام مياه ملوثة أو غير آمنة للريّ، ما رفع المخاطر الصحية على المستهلكين.
ولفت إلى أنّ الصناعات التي تعتمد على المياه تضررت أيضًا واضطرت لتخفيف الإنتاج، تقليص ساعات العمل وإيقاف بعض العمليات موقَّتًا، مُؤَكِّدًا أنّ الأمطار الأخيرة في خلال شتاء 2025 - 2026 حسّنت الوضع جزئيًا لكنها لم تكن كافية لتعويض النقص الكبير في المخزون الجوفي والسطحي، ما يعني استمرار الأزمة.
وبيّن حلواني أنّ أبرز التحديات الحالية لإدارة المياه في لبنان تتضمن تقاعس الإدارة عن مواكبة الأزمات المتكررة، ضعف البنية التحتية وغياب السياسات الواضحة لإدارة الموارد المائية، إضافة إلى التلوث الكبير في مصادر المياه الناتج عن تصريف مياه الصرف الصحي بشكل عشوائي وإنشاء مكبات نفايات على ضفاف الأنهار.
وفي هذا الإطار، دعا حلواني إلى وضع خطة طوارئ علمية حديثة تشمل إصلاح البنية التحتية لتقليل الهدر، معالجة مصادر التلوث وتبني سياسات علمية حديثة لإدارة مستدامة للمياه، مؤكّدًا ضرورة الانتقال إلى إدارة عصرية حديثة تضمن الأمن المائي الدائم على الرَّغمِ مِنَ الصعوبات الاقتصادية، محذرًا من أن التأخير في مواكبة التكنولوجيا الحديثة سيؤدي إلى آثار سلبية طويلة المدى على القطاعات الحيوية كافة في لبنان.

