January 14, 2026   Beirut  °C
مناطق

القطارُ اللبنانيّ.. إرثٌ صامدٌ يتحدّى الزمن ليعود إلى الواجهة

لطالما شكّلت مصلحة سكك الحديد في لبنان ملفًا إشكاليًا شغل الرأي العام لسنوات طويلة، بين حضورٍ إداري قائم وغيابٍ عمليّ على الأرض. فهذا القطاع الذي انطلق في العام 1895 وتوقّف عن أداء دوره منذ عقود، بقي حاضرًا في الذاكرة أكثر منه في الواقع.

وعلى الرَّغمِة مِنَ الغياب الطويل، عاد حلم عودةِ القطار إلى الواجهة، في ظلِّ حديثٍ متزايد عن إعادة تفعيلِ مصلحة سكة الحديد في لبنان، لتبدأ بالفعل تحركات جدِّية على الأرض تستهدف تجهيز القطاع للمرحلة المُقبِلَة.

وفي ظلّ هذا الحراك الجدّي، يبرز التساؤل عمّا إذا كان هذا العهد سيشهد ولادة مشروع يُعيدُ للقطار دوره التاريخي ويمنح لبنان فرصةً لإعادة التموضع اقتصادِيًّا، عبر بنية نقلٍ حديثة قادرة على ربط الداخل بمسارات النقل الإِقليمية والدولية؟

في هذا السياق، أوضح المُدِيرُ العام لِمَصلَحَة سكك الحديد والنقل المشترك زياد شيا أنّ المرحلة الحالية لمصلحة سكك الحديد في لبنان تتسم بالجدية العملية والتحرّك الميداني، بعيدًا عن التصريحات الشكلية أو الخطط النظرية.

 

وأَكَّدَ عبر مِنصّة "بالعربي" أَنَّ أوّل واجب للمصلحة هو حماية الممتلكات والأراضي التابعة لها، والتي تتجاوز مساحتها عشرة ملايين متر مربع، من التعديات التي طالتها على مدى السنوات الماضية، مُشيرًا إلى أَنَّ هذا الإجراء ليس مجرد خطوة رمزية، بل جزء من مسؤولية وطنية وأخلاقية تهدف إلى منع تكرار التعديات مُستَقبَلًا وإيجاد رادع قانوني وإداري لأي اعتداء على الأملاك العامة.

 

وأوضح شيا أَنَّ هناك عشرات الشكاوى والدعاوى القضائية والإدارية المرتبطة بالتعديات، والتي تُتَابَع بِدِقَّة عبر القضاء اللبناني والمحافظات والبلديات، قَائِلًا: نحن نعمل على إزالة التعديات بشكل فعلي ومستمر، مع متابعة قضائية وأمنية لضمان أن تبقى هذه الممتلكات تحت السيطرة الرسمية، وهذا ليس شعارًا بل واقعًا على الأرض.

 

وعن خطوة إعادة ترميم المحطة الأُمّ، أوضح أَنَّ الهدف هو الحفاظ على القيمة التاريخية للمحطات، مع عدم المساس بدورها كقطاع نقل للركاب والبضائع، لافِتًا إلى أَنَّ الترميم يحصل بِدَعمٍ مِنَ الحكومة الإيطالية وبإشراف "UNESCO” وال "UN-Habitat”، وقد وصلت الأعمال إلى مراحل متقدمة، ما يعكس جدية المشروع وحرص المصلحة على تجهيز الأرضية المناسبة للمرحلة المقبلة.

 

وفيما يتعلق بإعادة تشغيل القطار وربط لبنان داخليًا وخارجيًا، أكّد شيا أنّ المشروع واقِعِيًّا مُرتَبِط بعوامل عدة، من الاستقرار السياسي إلى القرارات الحكومية الدقيقة، مع الأخذ بعين الاعتبار الدراسة الاقتصادية والجدوى التشغيلية للمشروع. وقَال: لا نحاول أن نروّج لأوهام بأن القطار سيبدأ التحرك غدًا، لكننا نحرص على أن تكون الأرضية مهيّأة بالكامل للانطلاق فور توافر الظروف المناسبة.

 

وأَشَارَ إلى أَنَّ المصلحة تعمل على دراسات تشغيلية لربط مرفأ طرابلس بالحدود اللبنانية – السورية في الشمال، مستفيدين من قضبان حديدية تم شراؤها منذ العام 2005. وقَال: هذه الدراسات تؤكد إمكان ربط لبنان داخليًا، إقليميًا ودوليًا، ما يضع البلاد على سكة اقتصادية متطورة عند توافر القرار السياسي والاستقرار الأمني.

 

أما فيما يتعلق بالتمويل، فَرَأَى أَنَّ أَيّ مشروع بهذا الحجم يحتاج إلى استقرار سياسي وجدوى اقتصادية واضحة، مُعتَبِرًا أَنَّ هذا المسار جاهز لاستقطاب دعم دولي من شركات عالمية فور توافر الشروط، وهو ما يُقَلِّلَ العبء على الدولة اللبنانية. وأَوضَحَ أَنَّ التمويل ليس عقبة أمام المشروع، بل مرتبط بتوافر الظروف الملائمة، شَارِحًا أَنَّهُ بمُجَرَّد أَن تتحقق هذه الظروف، لن يكون هناك أي عائق أمام الاستثمار في قطاع السكك الحديدية الحيوي.

 

وحول العقبات والصعوبات، شدّد شيا على أنّها موجودة، لكنها قابلة للتجاوز عبر إرادة وطنية ومتابعة دقيقة من المصلحة وبالتعاون مع البلديات والقضاء وقوى الأمن الداخلي، قائِلًا: نحن نعمل بشكل يومي على تحضير كل شيء للمرحلة المقبلة ونركز على التوعية بأهمية الحفاظ على هذه الممتلكات كثروة وطنية للأجيال الحالية والمُقبِلَة.

 

وفي الخِتَام، أَشَارَ إلى أنّ ما يميّز هذه المرحلة هو الانتقال من الكلام النظري إلى الجهوزية الفعلية، مع دعم ومتابعة من وزير الأشغال العامة ورعاية من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، مُؤَكِّدًا أَنَّ لبنان سيكون حاضرًا وجاهزًا للانطلاق الفعلي فور توافر الظروف السياسية والأمنية اللازمة، بعد أكثر من 130 عامًا على انطلاق السكك الحديدية لأول مرة في البلاد.