January 14, 2026   Beirut  °C
طقس

ظاهرة النينيا تسيطر.. والشتاء إلى متى؟

الجَميع يتساءل اليوم عن طقس لبنان، بعد شتاء متأخر وغياب الأمطار الكافية في خلال تشرين الثاني وبداية كانون الأوّل، مما أثار خوف المواطنين من مواجهة موسم جفاف قاسٍ. هل نحن مقبلون على أزمة مياه؟ ومتى يبدأ الشتاء الفعلي الذي يمد لبنان بالأمطار والثلوج اللازمة لتغذية الأرض والمخزون المائي؟ الأسئلة كثيرة، والإجابات دقيقة ومرتبطة بالعوامل المناخية المعقدة.

شَدَّدَ رئيس نادي العلوم والإختصاصي في إِدارة المناخ والمياه الدكتور فادي كرم على أَنَّ ما سيقدّمه مبني على نتائج دراسات علمية وليس على توقعات، مؤكدًا أنّ شتاء ٢٠٢٥ - ٢٠٢٦ حيّر العلماء، خُصُوصًا بعد سيطرة ظاهرة النينيا. وقال: قد لا يعرف كثيرون هذا المصطلح، لكن باختصار، هي ظاهرة مناخية تتمثّل بانخفاض أو برودة سطح مياه البحار والمحيطات، وقد تحدثت عنها منذ أكثر من 12 عامًا. هذه البرودة مرتبطة مباشرة بالمرتفع السيبيري، الذي سيطر في الفترة الأخيرة على أجواء لبنان وعرقل المنخفضات الغربية المعتادة.

 

أَضاف عبر مِنصَّة "بالعربي": لقد توقف هذا المرتفع في مواجهة المنخفضات الغربية التي يتميّز شتاء لبنان بها عادةً، والمنخفضات التي شهدناها منذ أيام والتي تزامنت مع زيارة البابا، كانت منخفضات آتية عبر البحر الأسود، وليست منخفضات غربية، فالأخيرة عادةً تمنح أمطارًا مُنتَظِمَة. لكن مع سيطرة المرتفع السيبيري نشهد فترات جفاف طويلة قد تمتد لأسبوعين أو ثلاثة، يليها يوم أو يومان من الأمطار الغزيرة المصحوبة بعواصف رعدية، مؤكِّدًا أنّ هذه الظواهر تمثل جزءًا من آثار التغير المناخي، خصوصًا مع ارتفاع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون واستمرار الانحباس الحراري الذي يرفع درجات الحرارة فوق معدلاتها الطبيعية.

 

وأَوضَحَ كرم أَنَّ الغابات المسؤولة عن تنقية الهواء مهددة بالإندثار في لبنان وغياب سياسة بيئية أو مائية واضحة يجعل الوصول إلى المياه الجوفية أو تأمين الحد الأدنى من المياه المنزلية أمرًا صعبًا، خصوصًا في ظل غياب الخزانات الطبيعية أو السطحية. حتى لو هطلت أمطار غزيرة، يبقى توزيع المياه محدودًا بسبب الأعطال الكهربائية وعدم القدرة على ضخ المياه.

 

وأشارَ إلى أنّ الأرض اللبنانية لا تستطيع تخزين الكميات الهائلة من الأمطار في فترة قصيرة بسبب طبيعتها الكلسيّة، مشددًا على أنّ شتاء هذا العام متأخر (Late Winter) إذ لم نشهد خريفًا فعليًّا، ما جعل انتقال الحرارة سريعًا بين موجات الحرّ الشديد والصقيع. وقال: الشتاء الحالي متأخر، إذ لم نشهد الأمطار الكافية في خلال الفترة الماضية، ما أثر على المخزون المائي والثلجي في لبنان، لافتًا إلى أنّ الثلوج الغربية تلعب دورًا مهمًا للمزارعين، للرياضة الشتوية ولتغذية الأرض بالمياه، بينما الثلوج السيبيرية لا توفر مردودًا حقيقيًا.

 

ولفت إلى أنّ ظاهرة النينيا تتجه نحو الانحلال، والمرتفع السيبيري نحو التفكّك، مع إعادة تنشيط الدوامة القطبية، ما يسمح بوصول المنخفضات الغربية إلى لبنان، موضحاً أنّ المنخفضات الغربية، الآتية من إيطاليا عبر البحر المتوسط مُشبَّعة بالأمطار والثلوج التي يمكن تخزينها، بعكس الثلوج السيبيرية الخفيفة التي تتناثر مع الهواء ولا تسهم في تخزين المياه أو الثلوج على الأرض.

 

وكشف كرم أنه بحلول نهاية السنة، من المفترض أن يكون المرتفع السيبيري قد وصل إلى آخر مراحله، ويبدأ تدريجيًا بالانحلال، ما يفسح بالمجال لوصول المنخفض الإيسلندي أو المنخفض الأزوري إلى لبنان، الأمر الذي يسمح للرياح الغربية المشبعة بالرطوبة بالوصول إلى المنطقة، وهو أمر مهم لتشكل الأمطار.

 

وخَتَمَ: الحل الأمثل لمواجهة أزمة المياه هو جمع مياه الأمطار وتخزينها في برك مدروسة مع التشجير للمساهمة في تنقية الهواء وامتصاص ثاني أكسيد الكربون، مع التأكيد على أنّ لبنان، حاليًا، غير مجهز لمواجهة أي أزمة مناخية محتملة، إذ لا توجد مشاريع سدود مدروسة على المدى المنظور.

 

في النهاية، يظلّ المناخ وسيلة طبيعية تحدّد حياة المجتمعات، وأزمة المياه والتغيرات الجوية في لبنان تذكّر الجميع بأهمية التخطيط المستدام، حماية الموارد الطبيعية والاستعداد لمواجهة تحديات المستقبل قبل أن تصبح حوادث الطبيعة أزمات لا يمكن السيطرة عليها.