على مدى أعوام طويلة، عانى الكثير من اللبنانيين من ظلم وتعسف المحكمة العسكرية في لبنان، لا سيما في ظل الجدل المستمر حول اتساع صلاحياتها وامتدادها إلى قضايا لا تقتصر على الشأن العسكري، إضافة إلى ما يُثار حول تأثر عملها في مراحل "سابقة"و "حالية" بنفوذ "الدولة العميقة".
ومن هذا المنطلق، تقدّمت بعض الكتل النيابية، إلى جانب عدد من النواب منفردين، من بينهم وزير العدل السابق اللواء أشرف ريفي، بمشاريع إلى المجلس النيابي تقضي بإعادة النظر بالمحكمة العسكرية أو تعديل صلاحياتها، بما يهدف إلى تحويلها إلى محكمة متخصصة ضمن إطار أكثر انضباطا وتوافقا مع المعايير القضائية المعتمدة.
فهل سيحذو لبنان حذو الدول المتقدمة في ما يخص تحويل المحكمة العسكرية إلى محكمة متخصصة؟
في هذا الإطار، أكّد وزير العدل السابق اللواء أشرف ريفي أن المحاكم الخاصة، وفي مقدّمها المحكمة العسكرية، لم تعد موجودة في معظم الدول المتقدمة، حيث اتجه نحو إلغائها أو استبدالها بمحاكم متخصصة، معتبرا أن المسار العالمي يقوم على تطوير القضاء نحو العدالة الموحدة لا المحاكم الاستثنائية.
وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أنه عندما كان وزيرا للعدل قدم مشروعا لتعديل قانون المحكمة العسكرية، يقضي بحصر صلاحية هذه المحكمة بالشؤون العسكرية فقط، على أن تُحال الجرائم الكبرى والمدنية إلى المحاكم المتخصصة كما هو معمول به في دول العالم، مشيرا إلى الاستفادة من تجارب دول عربية وأجنبية في هذا الإطار.
واعتبر ريفي أن وجود المحاكم الخاصة، مثل المحكمة العسكرية أو العرفية أو الميدانية، ارتبط تاريخيا بالأنظمة الشمولية، التي استخدمتها لتصفية الخصوم السياسيين، في حين أن الأنظمة القضائية الحديثة تقوم على مبادئ قانونية موحدة بعيدا عن الحسابات السياسية.
وفي ما يخص ملف العفو العام، شدّد على أن الطرح ليس عفوا عاما، بل يرتبط برفع الظلم واستعادة العدالة، مؤكدا أن الموقف هو ضد تكريس الإدانة غير العادلة.
ولفت ريفي إلى أن هذا الملف لا يزال في مرحلة المداولات ولم يُحسم بعد، داعيا إلى انتظار القرار النهائي قبل استخلاص النتائج.
وفي ما يتعلق بالمحكمة العسكرية اليوم، شدّد على ضرورة أن يحاسب كل القضاة عسكريين وغير عسكريين، والذين ارتبطوا وخضعوا للنظام السوري السابق وللنفوذ الإيراني، وحاكموا من كان ضد نظام بشار الأسد وضد الهيمنة الإيرانية بطريقة غير عادلة ومنافية للقانون، متنمنيا أن نتوصل لإلغاء المحاكم الخاصة والانتقال إلى المتخصصة، مع إبقاء محكمة عسكرية مختصة بالشؤون العسكرية فقط وليس بالشؤون الجنائية والقانونية. وتحدث عن وجود أكثر من مشروع في هذا الإطار داخل مجلس النواب، من بينها مشروعه الشخصي، إضافة إلى مشاريع مقدّمة من كتل سياسية مثل القوات اللبنانية والكتائب.
وقال ريفي إن هذه المشاريع لا تزال مدرجة في المجلس النيابي، إلا أن مسار الإصلاح تأثر في مراحل سابقة باعتبارات سياسية ونفوذ خارجي، ما حال دون الوصول إلى نتيجة نهائية حتى الآن.
في الختام، يبدو أن ملف المحكمة العسكرية في لبنان يبقى واحدا من أكثر الملفات القضائية حساسية وتعقيدا، حيث يتنازع الأفرقاء حول من يريد الإبقاء عليها خدمة لمصالحه وبين من يرى فيها أداة حقيقيّة للظلم والاضطهاد. وبين هذا الجدل المستمر، يبقى النقاش مفتوحا حول مسارات العدالة في لبنان، سواء على مستوى إصلاح القضاء أو في ما يتصل بملفات مرتبطة به مثل العفو العام، في ظل تساؤلات حول إمكانية الوصول إلى مقاربة أكثر توازنا وإنصافا.