May 02, 2026   Beirut  °C
فن

زياد عيتاني: "إسعاف" لم تحمل رسائل بل ضحكة.. والمسرح لا يتوقف

في خطوة تعيد المسرح إلى واجهته، يطلّ زياد عيتاني بعمل كوميدي جديد بعنوان "إسعاف"، في تجربة ترفيهية تجمعه بالممثلة نور سعد، ضمن إطار ساخر يروي قصة زوج وحيد تنقلب ليلته الهادئة إلى سلسلة مواقف كوميدية غير متوقعة نتيجة حادث مرتبط بـ "الإسعاف"، لتتحول الأحداث إلى فوضى مضحكة على الخشبة. ويقدَم العمل في ستة عروض فقط، تنطلق في 5 أيار على خشبة مسرح مونو في الأشرفية، أيام الثلاثاء والخميس والسبت، في محاولة لإعادة نبض المسرح إلى جمهوره وسط واقع ضاغط. وفي ظل الظروف الدقيقة التي يمر بها لبنان، يبرز السؤال: هل لا يزال المسرح قادرا على فرض حضوره كمساحة للضحك ومواجهة الواقع؟

وفي هذا السياق، أوضح المسرحي زياد عيتاني أن المشروع كان من المفترض أن ينطلق قبل الأحداث، إلا أن الظروف حالت دون ذلك، مشيرا إلى أن استئناف النشاط المسرحي جاء بعد ما وصفه بمرحلة من الهدوء النسبي، لأن المسرح، بحسب تعبيره، لا يتوقف حتى في أصعب الظروف الأمنية التي يمر بها لبنان. وقال إن تجارب سابقة في المسرح اللبناني أثبتت هذه الاستمرارية، مستشهدا بمرحلة الاجتياح الإسرائيلي وعروض مسرحية استمرت آنذاك.


وأكد عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن المسرح يجب أن يستمر، لأنه جزء أساسي من هوية بيروت الثقافية والاجتماعية، ولا يمكن فصله عن نبض المدينة.


في ما يتعلق بالإقبال الجماهيري على العمل، أوضح عيتاني أن الحضور حتى الآن "جيد جدا"، مشيرا إلى أن فريق العمل فوجئ بالتفاعل الإيجابي.


وقال: اختيرَ موقع العرض في مسرح مونو بعناية، نظرا لكون المنطقة تعد نسبيا آمنة، إضافة إلى الطابع الحميمي الذي يميز المسرح، والذي يتيح تواصلا مباشرا وقريبا مع الجمهور، ميشيرا إلى أن هذا النوع من الكوميديا الاجتماعية يمنح الحضور مساحة للراحة والابتعاد عن الضغوط اليومية، ولو بشكل موقت.


على نطاق آخر، وعند سؤاله عن كيفية ولادة فكرة العمل، أوضح عيتاني أن الفكرة ولدت قبل نحو سنة، إلا أن الظروف والأحداث حالت دون تنفيذها في حينه، مشيرا إلى أن العمل ينتمي إلى كوميديا اجتماعية بحتة، تدور حول زوج وحيد يحاول القيام بمغامرة خيانة، لكنها لا تسير كما هو مخطط لها، لتتطور الأحداث إلى سلسلة مواقف كوميدية تنتهي بالفشل والتشتيت، ما يشكل جوهر القصة.


وقال: جاءت المعالجة في إطار كوميدي ترفيهي صرف، يركز على التسلية والمواقف الساخرة ضمن حبكة خفيفة وسريعة الإيقاع.


وعن الرسالة التي يحملها هذا العمل، لفت عيتاني إلى أن المسرحية لا تتضمن رسائل مباشرة. وقال: لم نحمل أي رسائل، لأننا لا نريد أن نثقل على الناس، ولم نختر قضية لننقل همومها إلى المسرح، خصوصا في ظل الضغط الكبير الذي يعيشه الجميع اليوم.


أضاف عيتاني إن الهدف كان إعادة الحق للجمهور في الترفيه، معتبرا أن الحق بالترفيه لا يقل أهمية عن أي حق آخر. وشدد على أهمية "الضحك الصافي" والعودة إلى لحظات بسيطة في الحياة تعيد شيئا من الخفة والراحة النفسية.


وأكد أن العمل لم يبن على رسائل فكرية أو اجتماعية، بل على تقديم مساحة للضحك والتسلية، قائلا: ما حملنا رسائل، بالعكس، حملنا ضحكة.


أما عن الممثلين المشاركين في العمل، فأوضح عيتاني أن المسرحية تجمعه بالممثلة نور سعيد، في بطولة مشتركة ضمن هذا المشروع المسرحي، مشيرا إلى أن اختيار الاكتفاء بستة عروض فقط يعود إلى الظروف الراهنة، إذ لا يمكن المجازفة ببرمجة عدد أكبر في ظل عدم استقرار المشهد العام. وقال إنه في حال بقي الوضع الأمني في بيروت مستتبا واستمر الإقبال على العمل، فمن الممكن زيادة عدد العروض لاحقا.


أما عن اختيار الطابع الكوميدي، فأكد أن الناس اليوم بحاجة إلى الضحك، وإلى التذكير بأنهم بشر طبيعيون لا يحملون فقط هموم الحياة اليومية والضغوط الأمنية، مشيرا إلى أن الجميع يعيش حالة من التوتر والضغط، ما يجعل الحاجة إلى مسارح من هذا النوع أكثر إلحاحا.


وفي ما يتعلق باسم المسرحية، أوضح عيتاني أن كلمة "إسعاف" مستوحاة من حدث أو عنصر داخل العمل، لافتا إلى أنه اختير لهذا السبب. وقال: للأسف حياتنا كلها بحاجة إلى إسعاف، وكل واحد فينا أعصابه بحاجة إلى إسعاف.


أما عن واقع المسرح اللبناني اليوم، فقد اعتبر أن الوضع جيد نسبيا مقارنة بالظروف التي يمر بها البلد، مشيرا إلى أن هناك عددا من الأعمال المسرحية الجيدة التي تعرض حاليا، وبعضها يحقق إقبالا لافتا. وأمل في استمرار هذا الزخم.


وقال عيتاني إن المسرح يبقى المساحة الوحيدة تقريبا التي تتيح للجمهور متابعة الممثلين اللبنانيين والأعمال المحلية بشكل مباشر، في ظل تراجع حضور الإنتاجات اللبنانية على الشاشات التلفزيونية.


وعن ما إذا كان الجمهور لا يزال مهتما بالمسرح، اكد أن الناس لا تزال تقبل عليه، والدليل الإقبال الذي تشهده العروض حاليا في لبنان، لافتا إلى أن عددا من الأعمال المسرحية تحقق حضورا جيدا، وأن العمل الجيد يواصل استقطاب الجمهور الذي ينزل إلى المسرح من تلقاء نفسه، انطلاقا من بحثه عن صدق أكبر في التجربة الفنية.


وقال: الجمهور يكتشف، من خلال هذه العروض، مواهب لبنانية حقيقية، ما يعزز استمرار الإقبال ودعم المسرح.


وعند سؤاله عن مدى أهمية دعم وزارة الثقافة للمسرح، خصوصا في ظل التراجع التدريجي له وهج المسرح وتحوله إلى مساحات عرض أصغر، بعد مرحلة كان فيها لبنان رائدا في هذا المجال في زمن شوشو وزياد الرحباني، أوضح عيتاني أنه يربط هذا السؤال بسؤالين أساسيين: مدى اهتمام الناس بالمسرح من جهة، ومستوى الدعم الإعلامي والمؤسساتي من جهة أخرى.


ولفت إلى أن النقطة السلبية في الموضوع تكمن في أن المسرح اللبناني لا يحظى بالاهتمام الإعلامي الكافي، مقارنة بأخبار أخرى أقل قيمة، كخبر يتعلق بملابس ممثلة، على الرغم من أن الحديث هنا عن مسرح لبناني وإنتاج لبناني يضم ممثلين لبنانيين وأفكارا ذكية تحقق إقبالا واضحا.


وأشار عيتاني إلى أن هذا الواقع يعكس خللا في أولويات التغطية الإعلامية، حيث لا يمنح العمل الثقافي الجاد المساحة التي يستحقها، في مقابل التركيز على تفاصيل هامشية لا ترتقي إلى مستوى الحدث الفني، مؤكدا أن الإعلام، في رأيه، مقصر بشكل واضح تجاه المسرح. ولفت إلى أن المسرحيين يواصلون العمل من إنتاج وإخراج وتقديم ضمن جداول زمنية محددة، لكن من دون مواكبة إعلامية توازي هذا الجهد.


وفي المقابل، ورأى أنه قد تحظى مواد أو محتويات سطحية على وسائل التواصل، حتى لو كانت بسيطة أو غير ذات قيمة، بتغطية وانتشار أوسع، عبر مقابلات مطولة وإعادة نشرها بشكل كبير، معتبرا أن هذا التفاوت في الاهتمام يعكس خللا في أولويات الإعلام، ويؤثر سلبا على حضور المسرح اللبناني وانتشاره.


وتابع عيتاني أن الإعلام، في بعض جوانبه، ساهم في الوقوف بعكس مسار المسرح، بدل دعمه أو مواكبته، مشددا، على المنحى نفسه، على دور وزارة الثقافة،. واعتبر أن البلد يمر بمرحلة تراجع عام شملت مختلف المستويات.


ولفت إلى أن هذا التراجع يطال العمل الرسمي والعمل الحكومي، كما ينعكس على المشهد الإعلامي، حيث لا يوجد على الشاشات اللبنانية أي برنامج ثقافي متخصص، على حد تعبيره.


وقال عيتاني: لبنان يكاد يكون من الدول القليلة التي لا تمتلك برنامجا ثقافيا ثابتا، وهو ما يصفه بأنه واقع لافت وغير مألوف في بلد يفترض أن يحتفظ بحضور ثقافي وإعلامي فاعل.


وتابع: العمل مستمر على الرغم من كل التحديات، مؤكدا أن المسرح اعتاد تقديم عروضه "باللحم الحي" والتواصل المباشر مع الجمهور، بهدف إدخال الفرح إليهم وإضفاء مساحة من الترفيه في حياتهم اليومية. الهدف في هذه المرحلة يبقى محصورا في هذا الدور، معتبرا أن المسرح لا يمكن أن يحمل وحده مسؤولية التغيير، بل هو جزء من منظومة أكبر أشبه بـ Puzzle متكاملة، تحتاج إلى أن تكون ناشطة في مختلف المجالات، حتى يكون المسرح أكثر فاعلية وحضورا.


في الختام، يعكس "إسعاف" عودة جديدة لزياد عيتاني إلى الخشبة في عمل يراهن على الضحك والتواصل المباشر مع الجمهور على الرغم من الظروف الصعبة. وبين التحديات التي يواجهها المسرح اللبناني اليوم، يبقى هذا الفن حاضرا كمساحة للتنفيس وإعادة الحياة إلى الخشبة. ومع استمرار العروض، يظل السؤال مفتوحا حول قدرة المسرح على الصمود والتأثير في مشهد ثقافي يزداد تعقيدا.