بعد جلستين عقدتهما اللجان النيابية المشتركة يومي الثلاثاء والأربعاء لمناقشة قانون العفو العام، ينتظر استكمال البحث في جلسة ثالثة الإثنين المقبل، وسط مسار يوصف بالجاد لمعالجة ملف شائك يتداخل فيه القانوني بالإنساني.
ويتركز النقاش حول ما يشمله القانون وبنوده، والجرائم المستثناة منه، إضافة إلى فرص إحالته إلى الهيئة العامة لإقراره في ظل نقاط خلافية قائمة. كما يبقى ملف الموقوفين الإسلاميين حاضرا بقوة، نظرا لاستمراره كقضية عالقة تتأثر بالتجاذبات السياسية، وبما يطرح تحديات على صعيد العدالة وتسريع المحاكمات.
في هذا الإطار، أكد عضو "تكتل الإعتدال الوطني" النائب أحمد الخير أن قانون العفو العام ينطلق من مبدأ أساسي يقضي بمنح عفو عام لمقترفي الجرائم والمساهمين فيها، سواء كانوا فاعلين أصليين أو شركاء أو محرضين أو متدخلين، موضحا أن هذا القانون يتضمن بطبيعة الحال مجموعة من الإستثناءات الواضحة، التي تشمل عددا من الجرائم الخطيرة التي لا يمكن أن يشملها العفو.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن من أبرز هذه الإستثناءات الجرائم الواقعة على أمن الدولة، إضافة إلى جرائم القتل العمد أو القصد بحق المدنيين، وكذلك جرائم القتل بحق المدنيين والعسكريين سواء كانت عمدية أو غير عمدية. كما تشمل الإستثناءات جرائم الإرهاب، وجرائم الخيانة والتجسس، فضلا عن جنايات المخدرات بمختلف أشكالها، وجرائم التعدي على الأملاك العامة، واختلاس المال العام، ومخالفات قوانين مكافحة الفساد في القطاع العام، وقوانين الإثراء غير المشروع، والقوانين المتعلقة بالآثار والبيئة، إضافة إلى الجرائم التي يتخذ فيها المتضرر صفة الإدعاء الشخصي، لافتا إلى أن هذه الإستثناءات قد يطرأ عليها تعديل محدود، إلا أنها تشكل الإطار العام للقانون.
وفي معرض حديثه عن الموقوفين الإسلاميين، أوضح الخير أن مقاربة هذا الملف انطلقت من واقع المظلومية التي لحقت بعدد كبير من هؤلاء، نتيجة تراكم ملفات قضائية على مدى سنوات، إضافة إلى التأخير في المحاكمات وتأثير ذلك على أوضاعهم القانونية والإنسانية، مشددا على أن القضية لا تقتصر على الجانب القانوني فحسب، بل تمتد إلى أبعاد إنسانية وأخلاقية تتطلب معالجة جدية.
وكشف أن العدد الإجمالي للمساجين في لبنان يبلغ نحو 8576 سجينا، منهم 6233 داخل السجون و2353 في النظارات، مشيرا إلى أن من بين الموقوفين في النظارات هناك ما يقارب 1004 أشخاص من دون مذكرات توقيف، ما يعكس خللا كبيرا في الإجراءات القضائية.
وقال الخير إن عدد المحكومين من بين هذا الإجمالي لا يتجاوز 1067 شخصا، وهو رقم يعكس حجم التأخير في البت بالقضايا، ويؤكد وجود مشكلة كبيرة في نظام العدالة.
وفي ما يتعلق بعدد الإسلاميين الموقوفين، أوضح أن عدد الذين صدرت بحقهم أحكام يقدر بنحو 150 إلى 160 شخصا، مع الإشارة إلى أن العدد الفعلي قد يكون أكبر نظرا لوجود ملفات لم يُبت بها بعد، وعدم توفر إحصاءات دقيقة وشاملة في هذا الإطار، مؤكدا أن العمل على قانون العفو العام مر بمراحل عدة، حيث حصلت محاولات لإقرار عفو شامل، إلا أن الصعوبات حالت دون ذلك، ما أدى إلى الإنتقال إلى صيغة تعتمد مبدأ العفو مع إستثناءات محددة.
ولفت الخير إلى أن هذه الصيغة تتضمن تخفيضات على العقوبات، بحيث تُقلص مدة بعض الأحكام، وتحويل عقوبة الإعدام إلى السجن لمدة 25 سنة، وعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة إلى 20 سنة، متحدثا عن وجود مواد إضافية قيد النقاش، من بينها مادة تقضي بالإفراج عن كل موقوف تجاوزت مدة توقيفه 12 سنة، على أن تستمر محاكمته وهو خارج السجن. واعتبر أنّ هذه المادة، إلى جانب مسائل أخرى كإدغام العقوبات في حال تعدد الجرائم، لا تزال تحتاج إلى مزيد من البحث داخل اللجان النيابية.
وفي ما يتعلق بمسار القانون، أعرب عن تفاؤله بإمكان إنجازه، مشيرا إلى أن العمل الجدي داخل اللجان النيابية يدل على وجود نية حقيقية لإقرار هذا القانون، على الرغم من بقاء بعض النقاط الخلافية التي تتطلب نقاشا إضافيا، لا سيما ما يتعلق بتخفيض العقوبات وبعض التفاصيل التقنية.
وأكد الخير على أن الهدف من هذا القانون هو تحقيق العدالة والإنصاف، ومعالجة أوضاع إنسانية ملحة، ضمن إطار يحفظ حقوق المجتمع ويصون الأمن العام.
وفي الخلاصة، يبقى قانون العفو العام خطوة حساسة تتطلب توازنا دقيقا بين العدالة والإنسانية، بما يضمن معالجة الثغرات القائمة وتعزيز الثقة بمؤسسات الدولة، وحتى "ما يبقى في الحبس مظاليم".