April 17, 2026   Beirut  °C
مناطق

محمد شمس الدين: 68 ألف وحدة سكنية مدمّرة في الجنوب و30 بلدة جنوبية لم تعد صالحة للسكن

بعد الإعلان عن هدنة لمدة عشرة أيام ووقف لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، تتجه الأنظار نحو الجنوب اللبناني، حيث تبدأ صورة الدمار بالتكشف بشكل أوضح، وسط مؤشرات أولية تعكس حجما غير مسبوق من التدمير. هذا الواقع يأتي في ظل اعتماد إسرائيل سياسة "الأرض المحروقة"، وتوغلها في عمق الأراضي اللبنانية، ما أدى إلى تدمير آلاف الوحدات السكنية وإلحاق أضرار واسعة في البنى التحتية، وتحويل عشرات البلدات، لا سيما الحدودية منها، إلى مناطق شبه خالية من مقومات الحياة، ضمن مشهد يتراكم فوق آثار حروب سابقة لم تستكمل عملية إعمارها أساسا.

فهل لا تزال هذه المناطق قابلة للسكن فعليا، أم أننا أمام واقع جغرافي وعمراني جديد يصعب معه عودة الحياة إليها في المدى القريب؟

في هذا الإطار، قدم الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين قراءة أولية لحجم الأضرار في الجنوب، مشيرا إلى أنه، ومع توقف العمليات العسكرية وإعلان هدنة ووقف لإطلاق النار، لا يزال من المبكر الحديث بشكل دقيق ونهائي عن حجم الأضرار أو المساحات المتضررة، خصوصا في ظل عدم القيام بمسوحات ميدانية شاملة حتى الآن، وهو ما يجعل أي أرقام متداولة حتى اللحظة قائمة على تقديرات أولية تحتاج إلى وقت لتثبيتها بشكل علمي ودقيق.


وأوضح عَبرَ مِنصة "بالعربي" أن هذه التقديرات تستند حاليا إلى مؤشرات ومعطيات أولية، تُجمَع من خلال التواصل مع البلديات المحلية، إضافة إلى الصور والمشاهد التي تُوَثَّق من المناطق المتضررة، والتي تعكس حجم الدمار الذي طال عددا كبيرا من القرى الجنوبية.


وفي ما يتعلق بالوحدات السكنية، أشار شمس الدين إلى أن عدد المنازل المدمرة في الجنوب نتيجة العمليات العسكرية الأخيرة يقدر بنحو 19 ألف وحدة سكنية، لافتا إلى أن هذا الرقم لا يقرأ بمعزل عن الأضرار السابقة، إذ يضاف إلى نحو 49 ألف وحدة سكنية كانت قد دمرت خلال مراحل سابقة ولم تستكمل عملية إعادة إعمارها حتى اليوم، ما يرفع العدد الإجمالي للوحدات السكنية المدمرة إلى حدود 68 ألف وحدة، وهو رقم كبير جدا يعكس حجم الكارثة العمرانية التي يشهدها الجنوب.


وقال إن هذا الواقع يتفاقم في ظل غياب أي مؤشرات واضحة على انطلاق عملية إعادة إعمار فعلية، ما يعني أن التراكم بين دمار الحروب السابقة والحالية يزيد من تعقيد المشهد، ويطرح تحديات كبيرة أمام إمكانية إعادة الحياة إلى هذه المناطق، لافتا إلى أن نحو 30 بلدة جنوبية لم تعد صالحة للسكن نتيجة التدمير الكامل الذي طالها، وغياب مقومات الحياة الأساسية فيها. وأشار إلى أن هذه البلدات تقع بمعظمها في القرى المحاذية للحدود مع إسرائيل، وتمتد بعمق يتراوح بين 5 و7 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.


ولفت شمس الدين إلى أن العمليات العسكرية الحالية طالت حتى المناطق التي لم تكن قد تضررت في الحروب السابقة، ما أدى إلى توسيع رقعة الدمار بشكل كبير، بحيث لم يعد الضرر محصورا في نطاق جغرافي ضيق، بل امتد ليشمل مساحات أوسع، مُقدرًا، في هذا السياق، المساحة الإجمالية المتضررة بنحو 800 كيلومتر مربع. وأكد أن الحياة في هذه المساحة باتت صعبة جدا أو شبه مستحيلة في الوقت الراهن، سواء بسبب الدمار المباشر أو نتيجة غياب الخدمات الأساسية والبنية التحتية اللازمة.


أما على صعيد الكلفة، فقدر شمس الدين كلفة إعادة إعمار المناطق المتضررة جراء الحرب الحالية بنحو 3 مليارات دولار، مشيرا إلى أن الأضرار في البنى التحتية، على الرغم من وجودها، لا تزال محدودة مقارنة بما شهدته المنطقة في حروب سابقة، إذ تقدر بنحو 100 مليون دولار، وتشمل أضرارا في الجسور الصغيرة والطرقات وشبكات المياه والكهرباء.


وفي ما يتعلق بالقطاع الزراعي، أوضح أن الأضرار لم يُصار إلى إحصائها بشكل دقيق حتى الآن، إلا أن هناك تقديرات أولية تشير إلى خسائر تقارب 50 مليون دولار، في ظل تضرر مساحات زراعية واسعة، مشيرا إلى أن الوصول إلى تقدير دقيق وشامل لحجم الأضرار يتطلب مزيدا من الوقت، على أن يبنى لاحقا على هذه المعطيات لتحديد الكلفة النهائية ووضع جدول زمني واضح لعملية إعادة الإعمار، في حال توفرت الإمكانات المالية. وأكد أن الجنوب يواجه اليوم واقعا كارثيا نتيجة تراكم الحروب والدمار على مدى السنوات الثلاث الماضية، من العام 2023 وصولا إلى المرحلة الحالية.


ختاما، وعلى الرغم من إعلان الهدنة ووقف إطلاق النار، وما رافق ذلك من اندفاع الأهالي منذ اللحظات الأولى لسريانها نحو قراهم في الجنوب، يبقى المشهد على الأرض أكثر قسوة وتعقيدا، إذ تصطدم هذه الحماسة بحجم دمار واسع طال المنازل والبنى التحتية، وبلدات فقدت مقومات الحياة الأساسية، ما يجعل العودة حتى الآن خطوة محفوفة بالتحديات، ويضع علامات استفهام جدية حول إمكان استعادة هذه المناطق لحياتها الطبيعية في المدى القريب.