April 15, 2026   Beirut  °C
تكنولوجيا

حذف أسماء قرى الجنوب من خرائط غوغل… عامر طبش يحسم الجدل

شهدت مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الصفحات الإخبارية في الآونة الأخيرة تداولا واسعا لخبر مفاده أن شركة "جوجل" أزالت أسماء عدد من القرى في جنوب لبنان من خرائطها الرقمية، ما أثار حالة من الاستغراب والبلبلة لدى الرأي العام، وفتح الباب أمام تساؤلات عدة حول خلفيات هذا الإجراء ودلالاته المحتملة.

وتزامن هذا الجدل مع تصاعد النقاش حول العلاقة بين التطورات التقنية، لا سيما في مجال الخرائط والبيانات، وبين الأبعاد السياسية والعسكرية في المناطق الجنوبية الحساسة.

وفي موازاة ذلك، برزت تساؤلات أوسع تتعلق بتطور أدوات جمع المعلومات الاستخباراتية، ودور الأجهزة الإلكترونية اليومية في هذا السياق، إضافة إلى سبل حماية الخصوصية الرقمية في ظل هذه التحولات المتسارعة.

تلك العناوين وغيرها تناولها الاستشاري في شؤون التكنولوجي الإعلامي عامر طبش الذي أكد ألا صحة للمعلومات المتداولة حول إزالة أسماء القرى في جنوب لبنان من خرائط جوجل أو أبل، موضحا أن شركة جوجل لم تحذف أي أسماء من خدمة "جوجل مابس"، ولا تزال هذه الأسماء موجودة ويمكن لأي مستخدم التحقق منها بسهولة عبر التطبيق.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن وضع خرائط أبل مختلف أساسا، إذ إن شركة أبل لم تول اهتماما كبيرا بتطوير خدمات الخرائط في لبنان عموما، وفي جنوب لبنان خصوصا، ما أدى إلى نقص واضح في كمية المعلومات المتاحة مقارنة بما توفره جوجل. وقال إنّ هذا الواقع يدفع المستخدمين، حتى من حاملي هواتف آيفون، إلى الاعتماد بشكل أكبر على "جوجل مابس"، لكونه أكثر دقة وشمولا في عرض البيانات الجغرافية، لافتا إلى أن أبل لم تزيل الأسماء لأنها في الأصل لم تكن تملك قاعدة بيانات واسعة حول تلك المناطق.


وفي سياق آخر، تحدث طبش عن التحول الكبير الذي شهدته أدوات الاستخبارات في السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن أساليب التجسس التقليدية التي كانت تعتمد بشكل رئيسي على العنصر البشري والأدوات الكلاسيكية، قد تراجعت لصالح تقنيات أكثر تطورا تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة.


وأوضح أن هذه البيانات تُجمع اليوم بكميات هائلة من مصادر عدة، تشمل الأقمار الاصطناعية، والطائرات من دون طيار، وطائرات التجسس الإلكترونية ذات القدرات العالية، إضافة إلى تحليل وسائل التواصل الاجتماعي وعمليات التنصت على الاتصالات. وتندرج كل هذه المعطيات ضمن ما يعرف بالبيانات الضخمة، وهي كميات هائلة من المعلومات التي تُدخل إلى أنظمة تحليل متقدمة.


وقال طبش إن الخوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي تتولى بعد ذلك مهمة تحليل هذه البيانات وتنقيتها، واستخلاص النتائج منها، من خلال تتبع الأنماط الرقمية أو ما يعرف بالبصمة الرقمية، وهي الآثار التي يتركها الأفراد عبر استخدامهم للأدوات الرقمية والإنترنت ووسائل الاتصال. كما تشمل هذه العمليات تحليل الصور والتعرف على المواقع ومقارنتها، ما يتيح الوصول إلى نتائج دقيقة قد تستخدم في تحديد أهداف معينة، سواء لأغراض استخباراتية أو عمليات أمنية.


وأشار إلى أن هذه التقنيات ساهمت في تسريع عملية جمع المعلومات، وتقليل الحاجة إلى التدخل البشري المباشر، على الرغم من أن دقة النتائج تبقى مرتبطة بجودة البيانات المدخلة وآليات تحليلها.


وعن المخاطر المرتبطة باستخدام الأجهزة اليومية، أكد طبش أن الأجهزة الذكية، مثل الهواتف المحمولة، والأجهزة اللوحية، وأجهزة الكمبيوتر، وحتى الأجهزة المنزلية الذكية كالغسالات والثلاجات، تشكل سلاحا ذو حدين. فهي من جهة تسهل حياة المستخدمين وتوفر خدمات عدة، لكنها من جهة أخرى تقوم بجمع كميات كبيرة من البيانات بشكل مستمر.


وأوضح أن هذه البيانات تشمل معلومات عن استخدام الجهاز، مثل استهلاك البطارية، واستخدام الكاميرا، وأداء التطبيقات، إضافة إلى بيانات مرتبطة بالأجهزة المنزلية الذكية، مثل أنماط الاستخدام اليومية. وتكمن الخطورة، بحسب طبش، في إمكانِ استغلال هذه البيانات بطرق سلبية، كاستخدام الميكروفونات للتنصت من دون علم المستخدم، أو تشغيل الكاميرات لأغراض التجسس البصري، أو تتبع مواقع الأجهزة وتحركاتها. وقال إنّ هذه المعطيات يمكن أن تستخدم لتحليل الأنماط الصوتية أو تحديد مواقع الأفراد، ما يجعل من مسألة اختراق الأجهزة أو استغلالها أمرا واردا ومثبتا تقنيا، خاصة في ظل التطور المستمر في أدوات القرصنة والتجسس.


وفي ما يتعلق بسبل الحماية، شدد على أهمية اتباع إجراءات بسيطة لكنها فعالة، مثل تحديث الأجهزة بشكل مستمر، واستخدام كلمات مرور قوية، وتفعيل خاصية التحقق الثنائي، وتجنب الاتصال بالشبكات غير الآمنة، إضافة إلى تحميل التطبيقات فقط من المتاجر الرسمية مثل "جوجل بلاي" و"أبل ستور"، نظرا لكونها تخضع لمعايير أمان أكثر صرامة.


وأكد طبش على أن الوعي الرقمي بات ضرورة ملحة في ظل تزايد حساسية البيانات الشخصية، مشيرا إلى أن هذه الإجراءات لا توفر حماية كاملة بنسبة 100% لكنها تسهم بشكل كبير في تقليل المخاطر وتعقيد محاولات الاختراق.


في ظل هذا الواقع المتسارع، يتضح أن التكنولوجيا، بما تحمله من تطور هائل في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، تحمل في طياتها فرصا كبيرة لتحسين جودة الحياة، لكنها في المقابل تفرض تحديات جدية تتعلق بالخصوصية والأمن. ومع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في النزاعات، يبرز خطر تحوله إلى أداة للقتل والدمار كما تشهده الحروب القائمة اليوم، ما يعزز الحاجة إلى وعي رقمي ومسؤولية جماعية في استخدام هذه التقنيات. وعليه، يبقى الاستخدام الواعي والضوابط الأخلاقية العامل الحاسم في توجيه هذا التطور نحو خدمة الإنسان، والحد من مخاطره، بحيث لا يتحول إلى وسيلة تهدد استقراره وأمانه.