بعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة والتطورات المتسارعة، عاد واقع الأمن في بيروت ليتقدم الواجهة، خصوصا مع الحديث عن مسار تفاوضي جديد وشروط تتقدمها مسألة حصرية السلاح بيد الدولة، في وقت تعيش فيه العاصمة ضغطا كبيرا نتيجة الكثافة السكانية ووجود النازحين، ومع بدء تشديد الإجراءات الأمنية وانتشار الجيش، يفترض أن تكون بيروت في الحد الأدنى مساحة مستقرة أمنيا. فهل نحن فعلا أمام مرحلة ضبط أمني حقيقي، أم أن التعقيدات الميدانية والسياسية ستفرض واقعا مختلفا؟
في هذا الإطار، قدم العميد الركن المتقاعد ونائب رئيس الأركان للتخطيط سابقا زياد الهاشم قراءة أمنية للمشهد الراهن، متناولا أبعاد الاستهدافات الإسرائيلية وانعكاساتها على بيروت، إضافة إلى ملف ضبط السلاح ومسار المفاوضات المحتمل.
وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن إسرائيل هدفت من خلال غاراتها الجوية "الأربعاء الأسود" على لبنان بشكل عام، وعلى بيروت بشكل خاص، إلى إفشال عملية التفاوض المزمع إقامتها في باكستان بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران برعاية باكستانية، لافتا إلى أن إسرائيل لا تريد وقف الحرب قبل إضعاف النظام القائم في إيران، تمهيدا إما لسقوطه أو إسقاطه، كما تخشى من صفقة أميركية - إيرانية لا تلبي أهدافها من وراء المشاركة في الحرب.
وأوضح الهاشم أن الوضع الأمني في مدينة بيروت، دون ضواحيها الجنوبية أو الشمالية، لم تتغير طبيعته، إذ إن العاصمة، إلى جانب انتشار الجيش والقوى الأمنية الأخرى فيها، تستضيف مئات آلاف النازحين من الجنوب والضاحية الجنوبية منذ إعادة تجدد العمليات العسكرية بين إسرائيل وحزب الله. وقال إنّه يجب الأخذ في الاعتبار خروج عدد كبير من الكوادر الحزبية من الضاحية، وتوزعهم ليس فقط في بيروت، إنما على كامل الأراضي اللبنانية، نتيجة التدمير الممنهج الذي طال الضاحية الجنوبية، والتي كانت تضم بنى تحتية عسكرية متكاملة للحزب، من غرف عمليات ومراكز قيادة وسيطرة ومخازن لوجستية، فضلا عن ما يتداول بشأن إمكانية وجود مستشارين من الحرس الثوري الإيراني، مشيرا إلى أن إسرائيل تحاول استهداف هذه الكوادر أينما وجدت، نظرا للتفوق المعلوماتي والتقني والاستخباراتي الذي تتمتع به.
ورأى أن الاستهداف الإسرائيلي لبيروت يهدف أيضا إلى إثارة المشاكل ورفع منسوب التوتر بين النازحين والمجتمعات المضيفة، خصوصا في ظل وجود فوارق مذهبية واجتماعية وثقافية بين الطرفين، إضافة إلى قرب الغارات من مطار بيروت الدولي وعدد من المؤسسات الاستشفائية والخدماتية والمقرات الرسمية، وما يحمله ذلك من رسائل لا تقتصر على حزب الله، بل تطال الدولة اللبنانية أيضا.
وفي ما يتعلق بطرح جعل بيروت "منزوعة السلاح"، شدد الهاشم على أن هذا التعبير لا يستخدم بمعناه الحصري، بل المقصود منه التشدد في بسط سلطة الدولة وضبط الوضع الأمني، الذي قد يسير نحو التفلت في المرحلة المقبلة إذا ما تصاعدت حدة الاعتداءات الإسرائيلية، مؤكدا أنّ المحافظة على الأمن في بيروت تتطلب تعزيز انتشار الجيش فيها، والتشدد في قمع المظاهر المسلحة، وضبط عمليات الدخول والخروج من وإلى المدينة، لا سيما لجهة الأجانب، والتدقيق في هوياتهم، إضافة إلى مداهمة المباني وتفتيشها عند الضرورة، بهدف حماية المواطنين والدولة ومصالحها.
ولفت إلى أن الطريقة الأنسب للوصول إلى تنفيذ قرار مجلس الوزراء تكون عبر تحويله إلى مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء استنادا إلى المادة الرابعة من قانون الدفاع الوطني، حيث توضع القوى المسلحة تحت إمرة الجيش، الذي تعود له صلاحية اتخاذ كل التدابير الكفيلة بالحفاظ على الأمن في بيروت، من تفتيش الأبنية وسائر الأماكن في أي وقت بعد مراجعة النيابة العامة المختصة، ومنع الاجتماعات العامة غير المرخص بها أو ذات الطابع العسكري، وملاحقة المخلين بالأمن وإحالتهم إلى القضاء، حيث تحال على المحاكم العسكرية كل الأعمال المخلة بالأمن، مؤكدا أن هذه التدابير في حال تنفيذها، تهدف إلى خدمة اللبنانيين في بيروت وتوفير الأمن لهم، ونزع الذرائع الإسرائيلية لاستهدافهم، وضمان مصالح الدولة العليا، وليس كما يدعي البعض أنها تصب في خدمة إسرائيل.
وأشار الهاشم إلى أن التفاوض مع إسرائيل حصل سابقا أكثر من مرة، إلا أن ظروف التفاوض الحالية تختلف كليا عن المراحل السابقة، إذ تعتبر إسرائيل نفسها منتصرة في حربها ضد حزب الله، كما ترى أن الدعم الأميركي لها، لا سيما في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بلغ مستويات غير مسبوقة. وقال إنّ الظروف الإقليمية والدولية الراهنة تصب في مصلحة إسرائيل، نتيجة استغلالها هجوم 7 تشرين الأول، وتقديم نفسها في موقع الدفاع عن الوجود، فضلا عن التحول الاستراتيجي الجذري في المنطقة، حيث اختل ميزان القوى الإقليمي لصالحها بعد الخسائر التي تكبدتها إيران، من أرمينيا في شمالها إلى أذرعها في غربها، إلى جانب سقوط النظام السابق في سوريا.
وفي المقابل، رأى أن هذا الواقع الجيوبوليتيكي غير المستقر، إلى جانب تعرض قلب إيران لهجمات أميركية - إسرائيلية، يدفع طهران إلى التمسك أكثر بالحفاظ على حزب الله كذراع عسكرية، وهو ما يفسر إصرارها على ضم الجبهة اللبنانية إلى طاولة المفاوضات للاستفادة منها كورقة ضغط، في مقابل ما تقوم به إسرائيل من محاولة فصل المسارات عبر الإيحاء باستعدادها لمفاوضات مباشرة مع لبنان.
وأوضح الهاشم أن طريق المفاوضات لن يكون سهلا بالنسبة للبنان، في ظل الشروط الإسرائيلية التعجيزية، التي قد تشمل حصول المفاوضات تحت النار كما حصل في حرب 2023 - 2024، ورفع سقف المطالب إلى حد نزع سلاح حزب الله قبل أي انسحاب، وإنشاء شريط أمني في الجنوب خال من السكان، وعدم وجود الجيش اللبناني أو القوات الدولية فيه، وصولا إلى فرض التطبيع بالقوة العسكرية من خلال معاهدة سلام.
ورأى أنّ لبنان خسر جزءا من قوة الردع عندما أعلن حزب الله حرب إسناد حماس في غزة، كما خسر شرعية الحرب لكونه الطرف الذي بدأ بها، معتبرا أن الدولة اللبنانية تعاني من ضعف بنيوي، وتآكل في قدراتها، وانهيار اقتصادي، في وقت تعتمد فيه قواتها العسكرية بشكل كبير على المساعدات الخارجية، لا سيما الأميركية، وسط انقسام داخلي حاد حول مختلف القضايا الإقليمية.
ودعا الهاشم أن يعان لبنان في مسار المفاوضات الذي يخوضه من موقع ضعيف من دون حلفاء، في مواجهة إسرائيل المدعومة بلا حدود ولا ضوابط من أعظم قوة عالمية في هذا العصر.
في المحصلة، تقف بيروت أمام مرحلة حساسة، حيث يبقى التحدي الأساسي في الحفاظ على استقرار العاصمة ومنع أي تفلت أمني في ظل التطورات المتسارعة، فحماية بيروت من أي خطر لا تقع فقط على عاتق الدولة، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من المؤسسات وتمر بالمجتمع وصولا إلى المواطنين أنفسهم.
فهل ينجح الجميع في تحمل هذه المسؤولية، أم أن الواقع سيفرض معادلة مختلفة؟