يتجه الواقع الأمني في لبنان نحو مزيد من التفلت، مع تزايد الحوادث واتساع رقعتها الجغرافية، في مشهد يعكس حالة من عدم الاستقرار العميق ويثير قلق اللبنانيين. فالتهديدات لم تعد محصورة في مناطق محددة، بل باتت تمتد إلى أكثر من منطقة، في ظل غياب خطوات حاسمة لاحتوائها.
وفي هذا السياق، أعادت حادثة عين سعادة، التي أدت إلى استشهاد مسؤول في "القوات اللبنانية"، تسليط الضوء على خطورة المرحلة واتساع نطاق الاستهداف، بما يطرح تساؤلات ملحّة حول قدرة الدولة على ضبط الوضع الأمني وحماية المواطنين.
فمن يضع حدًا لهذا الانفلات؟ ومن يحمي اللبنانيين في ظل استهداف يتنقل بلا رادع ويكاد يطال مختلف المناطق؟
في هذا الإطار، قدم النائب رازي الحاج، قراءة تفصيلية للوضع الأمني الراهن، مركزًا على التوسع الجغرافي للتهديدات والمخاطر المتزايدة التي تطال المدنيين، إلى جانب الإجراءات الضرورية التي يفترض بالدولة اتخاذها لمواجهتها.
وأشار عبر منصة "بالعربي" إلى أن الواقع الأمني في لبنان يشهد تصاعدًا ملحوظًا في مستوى التهديدات، في ظل استهداف إسرائيل لعناصر من حزب الله وأفراد من الحرس الثوري الإيراني المنتشرين في مناطق متعددة. ولفت إلى أن هذه العناصر لم تكن خاضعة للرقابة الأمنية قبل قرار الحكومة القاضي بحصر السلاح بيد الدولة، وكانت قادرة على التخفي باستخدام جوازات سفر وهويات مزورة، ما يجعل أي عملية استهداف محتملة غير محددة زمانًا أو مكانًا، ويضاعف من حجم المخاطر التي تهدد المدنيين.
وشدد على ضرورة تحرك الدولة اللبنانية، بمؤسساتها القضائية والأمنية، بشكل جدي وفعال، لإثبات قدرتها على ملاحقة هذه العناصر وتأمين الحماية للمواطنين، لا سيما بعد إعلان الحكومة اعتبار حزب الله منظمة خارجة عن القانون في ما يتعلق بأنشطته العسكرية.
وفي معرض تقييمه لأداء الدولة، أشار الحاج إلى أن اللبنانيين لا يشعرون بوجود نجاح فعلي في ضبط السلوك العسكري لحزب الله، الذي تمرد، بحسب تعبيره، على قرارات الدولة المرتبطة بحصرية السلاح وقرار السلم والحرب، الأمر الذي أدى إلى تداعيات مكلفة على المستويات كافة، من نزوح وضحايا وإصابات، وصولًا إلى خسائر اقتصادية ومالية كبيرة.
وأكد الحاج أن الدولة مطالبة باتخاذ خطوات عملية وواضحة لإعادة فرض سلطة القانون وحماية المواطنين، مشيرًا إلى أن غالبية اللبنانيين يتطلعون إلى قيام دولة تطبق القوانين بعدالة وعلى الجميع دون استثناء.
وفي هذا السياق، لفت إلى أهمية دور المجتمع المدني والبلديات، داعيًا إلى تعزيز الوعي لدى المواطنين، لا سيما في ما يتعلق بتأجير الشقق، وضرورة التدقيق في هويات المستأجرين وتجنب التعامل مع أشخاص مجهولين.
كما شدد على أن البلديات تمتلك صلاحيات واسعة بموجب المادة 64 من قانون البلديات، تخولها اتخاذ إجراءات تنظيمية ووقائية، من بينها مراقبة عمليات التأجير، وتعزيز التنسيق مع الأجهزة الأمنية، وتطوير آليات تسجيل السكان والزوار، بما يساهم في الحد من المخاطر الأمنية، حتى وإن لم يكن بالإمكان القضاء عليها بالكامل في ظل الظروف الراهنة.
وخَلُص الحاج إلى أن توسع رقعة الاستهداف إلى مناطق لم تكن مشمولة سابقًا، يعود إلى سلوك عناصر حزب الله والحرس الثوري، الذين، رغم إدراكهم أنهم أهداف مباشرة، يستمرون في التواجد بين المدنيين، غير آبهين بحياتهم، ما يحوّل المناطق السكنية إلى أهداف محتملة.
وفي المحصلة، لم تعد أي منطقة في لبنان بمنأى عن الخطر، فيما باتت حياة المدنيين مهددة بشكل مباشر، في ظل تراجع قدرة الدولة على توفير الحماية، واستمرار التلكؤ في اتخاذ الإجراءات الحاسمة، ما يجعل كل يوم يمرّ عاملًا إضافيًا في تصاعد المخاطر على المواطنين الذين لا ذنب لهم سوى العيش في وطنهم.