في وقتٍ أعلنت فيه الحكومة اللبنانية فتحَ عشرات مراكز الإيواء لمواكبة موجة النزوح الأخيرة، عَقِبَ اجتماع خلية إدارة الأزمات برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام ومشاركة وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، برزت على الأرض تحديات كبيرة مع تدفق أعداد كبيرة من العائلات نحو العاصمة.
فالأرقام الرسمية تتحدث عن افتتاح 97 مركزًا للإيواء في مختلف المناطق، إلا أن حجم النزوح المُفَاجِئ وضعَ بيروت أمام ضغطٍ استثنائي، خصوصًا مع تسجيل حالات دخول إلى بعض المدارس بعد كسر الأقفال، في ظل عجز المؤسسات التقليدية عن استيعاب الأعداد المتزايدة.
وبين الإجراءات الرسمية والواقع الميداني الصعب، يبرز السؤال: هل تستطيع بيروت فعلًا استيعاب موجة النزوح الحالية أم أن حجم الأزمة تجاوز قدرة العاصمة وإمكاناتها؟
في هذا الإطار، أشارت الناشطة في محاربة الفساد في البلديات رولا العجوز إلى أن الدولة بدأت بالفعل التحرك لمعالجة الأزمة، موضحَةً أن الإعلان عن فتح 97 مركزًا للإيواء يعكس محاولة رسمية لمواكبة النزوح، إلا أن المشكلة الأساسية تَكمُنُ في أن الأعداد التي وصلت إلى بيروت كبيرة جدًا مقارنة بالقدرة الاستيعابية لهذه المراكز.
ولفتت عَبرَ مِنصة بالعربي إلى أن التجارب السابقة أظهرت أن عددًا كبيرًا من المدارس الخاصة كان يفتح أبوابه لاستقبال النازحين، غير أن الظروف الحالية مختلفة، إذ إن بعض المدارس التي تضررت في أزمات سابقة أعادت تأهيل منشآتها أو عادت إلى عملها الطبيعي، ما يجعل استقبال أعداد كبيرة من العائلات بشكل مُفَاجِئ أمرًا صعبًا.
وأوضحت العجوز أَن بلدية بيروت تختلف قانونيًا عن سائر البلديات في لبنان، إذ لا يملك المجلس البلدي المنتخب صلاحيات تنفيذية مباشرة، بل تعود هذه الصلاحيات إلى محافظ المدينة المُعَيَن من قبل الدولة، وهو المسؤول عن متابعة الإجراءات الطارئة والاجتماعات المرتبطة بإدارة الأزمة.
وقَالَت إِن دور المجلس البلدي يقتصر في هذه الحالة على مراقبة الأعمال التي يقوم بها المحافظ أو دعم بعض الإجراءات ماليًا ضمن الحدود المتاحة، مشيرةً إلى أن الإمكانات المالية للبلدية ليست كبيرة كما يعتقد البعض، ما يحد من قدرتها على التعامل مع أزمة بهذا الحجم.
وفي ما يتعلق بالدور الذي تقوم به بعض الجهات الحزبية أو المجموعات المحلية في تنظيم عمليات الإيواء، رأت العجوز أن الواقع اللبناني في خلال الأزمات غالبًا ما يشهد تحرك قوى مختلفة لسد الفراغ، خصوصًا في ظل ضعف الإمكانات المالية للبلديات وتراجع قدرة المنظمات غير الحكومية على التدخل بسبب نقص التمويل.
كما لفتت إلى أن جهاز الحرس البلدي في بيروت يعاني أساسًا من محدودية في عديده وإمكاناته، إذ لا يتجاوز عدد عناصره بضع مئات، فضلًا عن أنهم غير مسلحين ولا يملكون الأدوات الكافية للتعامل مع حالات توتر أو فوضى كبيرة قد تنشأ نتيجة النزوح.
وأشارت العجوز إلى أن الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها البلاد تجعل من الصعب تحميل جهة واحدة كامل المسؤولية، خصوصًا مع الأعداد الكبيرة من العائلات التي وصلت إلى العاصمة، معتبرةً أن ما حصل في بعض المدارس من كسر للأقفال والدخول إليها يعكس حجم الضغط الإنساني الناتج عن النزوح المفاجئ.
وفي معرض حديثها عن الحلول الممكنة، شددت على ضرورة توسيع خطة الإيواء لتشمل مرافق عامة قادرة على استيعاب أعداد كبيرة من العائلات، مشيرةً إلى إمكانِ استخدام منشآت واسعة مثل المدينة الرياضية التي يمكن أن تتحول إلى مركز إيواء كبير كما حصل في أزمات سابقة.
كما اقترحت العجوز تَنظيم حركة الوافدين إلى بيروت عبر تخصيص مواقف كبيرة للسيارات عند مداخل العاصمة، مثل محطة شارل حلو، بحيث تُركن السيارات هناك وتُنقَل العائلات بواسطة حافلات إلى مراكز الإيواء، ما يخفف من الفوضى المرورية ويؤمن مرور سيارات الإسعاف والخدمات الطارئة.
وأَكَدَت أن الأزمات المتكررة التي يواجهها لبنان تُظهر الحاجة إلى تطوير منظومة فعالة لإدارة الكوارث وخطط طوارئ واضحة، معتبرةً أن الحل الجذري يبقى في قيام دولة قوية قادرة على إدارة الأزمات وضبط الأمن، بما يضمن حماية المواطنين وممتلكاتهم في مختلف الظروف.