March 05, 2026   Beirut  °C
مناطق

مباني طرابلس في "العناية المركزة" وبحاجة "لإنعاش" طارىء

لم يعد ما تشهده طرابلس من انهياراتٍ متكررة للمباني حدثًا استثنائيًا أو مفاجئًا. فمشهد السقوط بات يتكرر أسبوعًا بعد آخر، أحيانًا مع وقوع ضحايا، في مدينة تدفع اليوم ثمنَ سنواتٍ طويلة من الإهمال والتهميش، من دون أي معالجة جدية أو حلول مستدامة. هذا الواقع لم يعد خافيًا ولا جديدًا على مدينة لطالما وُضعت على هامش السياسات الإنمائية، وتُركت أزماتها تتراكم من دون تدخل فعلي.

ومع تصاعد المخاطر واتساع رقعة المباني الآيلة للسقوط، تتحول الانهيارات من حوادث فردية إلى أزمة بنيوية تهدد سلامة السكان يوميًا، في ظل غياب أي خطة طوارىء لتدارك المآسي. عند هذا الحد، يبرز السؤال الأهم: كيف وصلت طرابلس إلى هذا الواقع، ومن يتحمّل مسؤولية ما يحصل؟

في هذا السياق، أكدت المحامية سناء البرازي أَنَّ السبب الأساسي لتكرار انهيار المباني يعود إلى الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمدينة، مشيرةً إلى أن طرابلس تضم كثافة عالية من المناطق الشعبية التي تعاني منذ سنوات من الفقر والتهميش. وأوضحت أن هذا الواقع حرم المباني القديمة من أي صيانة أو ترميم، نتيجة العجز المادي المزمن، ما جعل عددًا كبيرًا من الأبنية غير صالحة للسكن أو قابلًا للانهيار في أي لحظة.


وقَالَت عَبرَ مِنصّة "بالعربي" إِنَّ المشكلة تتفاقم كلما اتجهنا نحو المناطق الأكثر فقرًا، حيث يتبيّن حجم الخطر الحقيقي، مؤكّدةً أن المدينة تعيش منذ سنواتٍ طويلة من دون أي تسليط جدي للضوء على مشاكلها البنيوية، ما جعل الانهيارات نتيجة متوقعة لمسارٍ طويل من الإهمال.


وأشارت البرازي إلى أنّ بلدية طرابلس لم تلعب دورها الأساسي في خلال السنوات الست الماضية، موضحةً أنّ المجلس البلدي شهد تخبطًا داخليًا حادًا، سواء بين الأعضاء أو على مستوى الرئاسة، مع تغيّر متكرر في القيادة، ما أدّى إلى شلل شبه كامل في العمل البلدي. ولفتت إلى أنّ هذا الفشل لم يكن مرحليًا، بل امتد على مدى سنوات، وفاقم من حجم الأزمة.


ورَأَت أَنَّ البلدية المنتخبة أَخيرًا قدّمت استقالتها لأنّها وجدت نفسها غير قادرة على تحمّل المسؤولية، لعدم امتلاكهَا الخبرة والإمكانيات الكافية لتحمّل المسؤولية الكاملة في هذه الأزمة المعقدة.


وقَالَت البرازي إِنَّ وصول منتخَبين جدد إلى المجلس لا يكفي ما لم يصاحبه دعم فني، قانوني وتنظيمي من الجهات المختصة، خصوصًا في إدارة ملف المباني المهددة وتأمين خطط طوارئ واضحة.


وتوقفت عند الزلزال الذي ضرب المنطقة قبل نحو عامين، مؤكّدةً أنه ترك أثرًا كبيرًا على المباني القديمة، من دون أن تُتّخذ التدابير اللازمة لمعالجة الأضرار أو الحد من المخاطر، ما أدى إلى تسارع وتيرة الانهيارات. ولفتت إلى أن الأبنية باتت تنهار أسبوعًا بعد آخر، وسط ترقب لسيناريوهات أكثر خطورة.


وفي ما يتعلق بحجم الأزمة، تَحَدَّثَت البرازي عَن وُجُودِ نحو 800 مبنى لا يُعرف متى قد ينهار، معتبرةً أن الوضع بات شديد الخطورة ولا يمكن السيطرة عليه بشكل فوري.


وعن تحديد المسؤوليات، شَدَّدَت على أَنَّ مَا يَحصل يعكس مشهدًا واضحًا من تبادل الاتهامات، حيث يحاول الوزراء، النواب والبلديات تحميل المسؤولية لبعضهم البعض، في حين أنّ الواقع يؤكد أن المسؤولية جماعية، مُوضِحَةً أَنَّ الدولة تتحمل العبء الأكبر، لا سيما في ما يتصل بقانون الإيجارات الصادر في العام 2014 والمعدل في العام 2017، والذي شهد تخبطًا في التطبيق، خصوصًا لناحية بدء احتساب المهلة القانونية، ما انعكس سلبًا على قدرة المالكين على القِيامِ بِالصيانة، في ظلِّ غياب أي معالجة واضحة أو دعم رسمي.


وأشارت البرازي إلى أن المجتمع المدني حاول، منذ بداية الأزمة الاقتصادية، أن يلعب دور الدولة، لا سيما في طرابلس، حيث عملت جمعيات عدة على ملف المباني المهددة وسلّطت الضوء على خطورته. لكنها أوضحت أن هذه الجمعيات باتت تفتقر إلى الإمكانيات المادية واللوجستية التي تخوّلها الاستمرار، أو تقديم المساعدات أو تنفيذ أعمال الترميم، مُؤَكِّدَةً أَنَّهُ على الرَّغمِ مِنَ الجهود المبذولة، لا يمكن للمجتمع المدني أن يعوّض غياب الدولة.


وعن الواقع الحالي في المدينة، لفتت إلى أن أهالي طرابلس يحاولون مساعدة بعضهم البعض من خلال مبادرات فردية وتجمعات شعبية، سواء لتقديم المساعدات، أو للمساهمة في عمليات الإنقاذ أو لمحاولة تحديد الأبنية الأكثر خطورة. لكنها أكدت أن هذه الجهود تبقى محدودة، في ظل غياب أي خطة واضحة ووسط حالة عامة من الصدمة والارتباك، مع شعور دائم بعدم الأمان.


وَشَدَّدَت البرازي على أَنَّ الأولوية اليوم يجب أن تكون إنسانية بحتة، عبر تأمين مراكز إيواء فورية للسكان القاطنين في المباني شديدة الخطورة، تصنيف الأبنية بحسب درجة الخطر، وإخلاء الأخطر منها وتأمين بدائل سكنية مُوَقَّتَة، سواء عبر المدارس أو القاعات العامة أو مواقع مثل معرض رشيد كرامي الدولي. واعتَبَرَت أَنَّ الوضع بالغ الحساسية وأن الانتظار لم يعد خيارًا.