أعاد برنامج "لقمة وطن"، الذي يُعرض على شاشة قناة "الجديد"، فتح واحد من أخطر وأشدّ الملفات حساسية في لبنان: ملف سلامة الغذاء. وهو ملف لا يطال رفاهية الناس أو نمط حياتهم، بل يمسّ حقّهم الأساسي في العيش بأمان وحقّهم في لقمةٍ غير ملوّثة، في بلدٍ أنهكته الأزمات وتراكم الإهمال.
مع كل حلقة جديدة، تتكشف أمام الرأي العام مشاهد صادمة من داخل مطابخ مطاعم لبنانية معروفة، بعضها يُصنَّف من "الواجهات السياحية" أو "العناوين الموثوقة". غير أنّ الكاميرا تُسقط الهالة وتُظهر واقعًا مختلفًا: إهمال فاضح، شروط صحية غائبة، مواد غذائية فاسدة أو منتهية الصلاحية، تخزين عشوائي واستخفاف مباشر بصحة المستهلك. الصدمة هنا لا تكمن فقط في حجم المخالفات، بل في حجم الثقة التي هُدِرَت، حين يتبيّن أن أسماء رنّانة لم تكن ضمانة للجودة ولا للسلامة.
لم يعد مستغربًا، في ظل ما يُكشف أسبوعيًا، أن يشعر المواطن اللبناني بالخوف من دخول أي مطعم، مهما كان اسمه أو تاريخه. فالمشاهد المتكرّرة أعادت طرح سؤال بديهي لكنه موجع: ماذا نأكل؟ لماذا نمرض؟ ولماذا تتكرّر حالات التسمّم؟
حين تتحوّل المخالفة إلى قاعدة ويصبح الغشّ ممارسة يومية، تتحوّل "اللقمة" من مصدر طمأنينة إلى مصدر خطر حقيقي على الصحة العامة.
ما يفضحه البرنامج يؤكّد حقيقة باتت واضحة: الفساد في لبنان لم يعد محصورًا بالطبقة السياسية أو بالصفقات الكبرى. لقد تمدّد وتغلغل في مفاصل الحياة اليومية ووصل إلى المؤسسات التي يفترض أنّها على تماس مباشر مع الناس، ومنها المطاعم وقطاع الغذاء على اختلاف مستوياته.
وهنا تكمن الخطورة الكبرى، لأنّ هذا النوع من الفساد يُؤكل ويُشرب ويصيب الناس بصمت، بعيدًا عن العناوين السياسية الصاخبة.
في مواجهة هذا المسار، يخرج من يتّهم الإعلام، وتحديدًا قناة "الجديد"، بتشويه صورة لبنان أو ضرب موسمه السياحي. غير أنّ هذا الاتهام يغفل حقيقة أساسية: لا سياحة مستدامة من دون سلامة ولا صورة جميلة تُبنى على التستّر.
ما تقوم به "الجديد" لا يُدمّر، بل يُصحّح. هو مسار طال انتظاره، بعد سنوات من التساهل وغضّ النظر، دفع ثمنها المواطن اللبناني من صحّته، أعصابه وماله. الشفافية هنا ليست ترفًا، بل شرطًا لإعادة بناء الثقة، داخليًا وخارجيًا.
لقد أدّى الإعلام دوره، كشف الوقائع ووضع الملف في الواجهة. اليوم، الكرة في ملعب الأجهزة الأمنية، القضائية والرقابية. المطلوب تحرّك فوري وجدي، بعيد عن الانتقائية والحسابات، لمحاسبة كل من يعبث بلقمة اللبناني ويعرّض حياته لخطر التسمّم.
فلا قيمة لأي كشف إعلامي إذا لم يُستكمل بإجراءات قانونية رادعة، ولا معنى لأي قانون إن بقي حبرًا على ورق.
ما يقدّمه برنامج "لقمة وطن" ليس حملة موسمية ولا بحثًا عن شعبوية، بل خدمة عامة في بلدٍ بات فيه الطعام نفسه عنوانًا للأزمة. حماية اللبناني تبدأ من طبقه ومن حقّه في غذاء آمن. والمحاسبة، إن لم تبدأ الآن، ستتحوّل غدًا إلى جريمة موصوفة بحقّ صحّة شعبٍ بأكمله.