دخل القضاء اللبناني، منذ نهار الإثنين، مرحلة شللٍ متدرّج، على وقع إعلان لجان المساعدين القضائيين تمديد اعتكافها وتصعيد تحرّكها لثلاثة أيّام إضافية، من المفترض أن تنتهي مساء اليوم (الأربعاء)، في خطوة تعكس حجم الغضب الذي بلغ مستويات غير مسبوقة، وتُنذر بتعطيلٍ واسع في سير العدالة في لبنان إذا ما استمرّ هذا الواقع من دون معالجة جدّية.
وفي حديثٍ لمنصّة "بالعربي"، أوضح المحامي جيمي فرنسيس خلفيّات هذا التحرّك وأسبابه، مشيرًا إلى أنّ اختيار المساعدين القضائيين اعتماد الاعتكاف كوسيلة للاعتراض، بدل اللجوء إلى الإضراب، يعود إلى حساسيّة العمل القضائي وارتباطه بمهلٍ قانونية محدّدة في الدعاوى والشكاوى. ولفت إلى أنّ تجاوز هذه المهل قد يؤدّي إلى سقوط الحقوق، وفي حال حصل ذلك نتيجة الإضراب، قد تترتّب على المساعدين القضائيين مسؤوليات قانونية وتعويضات محتملة بحقّهم.
وأشار إلى أنّ المساعدين القضائيين وضعوا إطارًا واضحًا لتحرّكهم، يتمثّل بالتوقّف عن العمل، مع الاستمرار في إنجاز كل ما يتعلّق بالمهل القانونية الأخيرة، حرصًا على عدم المساس بحقوق المتقاضين أو تعريض أنفسهم للمساءلة القانونية.
وعن الأسباب الجوهرية للاعتكاف، قال فرنسيس إنّها ترتبط بشكلٍ أساسي بملفّ التعويضات الممنوحة للمتقاعدين، والتي يعتبرها المساعدون القضائيون غير منصفة ولا تتناسب مع سنوات خدمتهم الطويلة. ويتمثّل مطلبهم الأساسي بالعودة إلى نحو 50 في المئة من قيمة الرواتب التي كانت قائمة نتيجة سلسلة الرتب والرواتب الأخيرة قبل الانهيار المالي، مع احتساب جميع الإضافات والملحقات التي كانوا يتقاضونها، وإدخالها في أساس الراتب بما ينسجم مع الأسباب الموجبة لهذه المطالب.
وأضاف أنّ المعتكفين يطالبون أيضًا بإقرار مفعولٍ رجعي يشمل جميع المتقاعدين، اعتبارًا من تاريخ اندلاع الأزمة المالية وحتى تاريخ إقرار المطالب بشكلٍ رسمي.
ولفت فرنسيس إلى واقع الصناديق التابعة لوزارة العدل، حيث يوجد صندوق خاص بالقضاة وآخر خاص بالمساعدين القضائيين، مشيرًا إلى أنّ المداخيل التي كان يتقاضاها صندوق المساعدين القضائيين، بحسب التشريعات والقرارات السابقة، لم تعد توازي قيمتها الفعلية اليوم. وعلى هذا الأساس، يطالب المساعدون القضائيون، إضافةً إلى مطلبهم الأساسي، بتشريع قانون ذي طابع خاص بالمساعدين القضائيين، إلى جانب إقرار نسبة من الرسوم المقتطعة من الدعاوى والأحكام المدنية والجزائية والتنفيذية لصالح هذا الصندوق، بما يتيح إعادة تفعيله وتمكينهم من الاستفادة منه.
وفي ظلّ استمرار الاعتكاف والتصعيد المعلن، يبقى القضاء اللبناني أمام اختبارٍ بالغ الدقّة، إذ إنّ أيّ تأخير إضافي في معالجة مطالب المساعدين القضائيين يهدّد بمفاقمة الشلل القضائي وتعطيل حقوق المتقاضين، ما يضع السلطات المعنيّة أمام مسؤوليّاتها المباشرة. وبين تصاعد الغضب ومحدوديّة الخيارات، تبدو المعالجة الجديّة والسريعة المدخل الوحيد لتفادي انهيارٍ أوسع في مرفق العدالة، الذي يشكّل إحدى الركائز الأساسية المتبقّية للدولة.

