January 14, 2026   Beirut  °C
أمن وقضاء

السجون اللبنانية.. اكتظاظ، تدهور وإهمال فمتى الإنفجار؟

عثر منذ يومين في سجن رومية على السجين السوري محمد ناصيف جثة داخل زنزانته، في حادثة تُعيدُ تسليط الضوء على الواقع المتردي في السجون اللبنانية والأوضاع الصعبة التي يعيشها النزلاء. وتثير هذه الحوادث المخاوف من تفاقم التوتر داخل السجون، في ظل ما يشبه حالة اللامبالاة لدى الجهات المعنية في ملف السجون.

وأكد المحامي محمد صبلوح أن واقع السجون في لبنان بلغ مستوى غير مسبوق من التدهور، لافِتًا إلى أَنَّ نسبة الاكتظاظ تتجاوز اليوم 250% من القدرة الاستيعابية الرسمية، مُوضِحًا أَنَّ سجن رومية، الذي يفترض أن يتسع ل1050 سجينًا، يضم حاليًّا ما يزيد على 3700، ما يجعل الظروف داخله أقرب إلى الكارثة الإنسانية.

 

وأشار عبر مِنصّة "بالعربي" إلى أن المسؤولية الأولى عن هذا الواقع تقع على عاتق القضاء، الذي لا يطبق المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تحدد سقفًا زمنيًّا للتوقيف الاحتياطي في الجنح والجنايات، مُوضِحًا أَنَّ هذه المادة تنص على شهرين قابلة للتمديد في الجنح و6 أشهر قابلة للتمديد في الجنايات، إِلَّا أَنَّ معظم القضاة لا يلتزمون بها، بما في ذلك قضاة الأحداث.

 

وكشف صبلوح أنه تابع أَخيرًا قضية قاصِرَين يبلغَان 15 عامًا وقفًا بتهمة سرقة خروف، وبقيا موقوفين 6 أشهر من دون سوقهما إلى أي جلسة، بسبب غياب الآليات لدى قوى الأمن لنقل الموقوفين من مبنى الأحداث، مُشيرًا إلى أَنَّ القاضية المعنية رفضت عقد جلسة عبر الإنترنت أو اتخاذ قرار بإخلاء سبيلهما، على الرَّغمِ مِن مسؤولية هذا التقصير عن وفاة طفل يبلغ 14 عامًا قبل أسابيع إثر انتحاره بعد انقطاع أي تواصل مع عائلته.

 

وتابع: يعاني مبنى الأحداث، بدوره، من مأساة داخلية صادمة، حيث لا يتجاوز عدد العناصر المكلفين بحمايته 20 عنصرًا فيما يحتاج إلى ما لا يقل عن 60، مُتَحَدِّثًا عَن مُعَامَلَة قاسية يتعرض لها بعض القاصرين، تشمل الضرب اليومي ومؤكدا أَنَّ هذه المُمَارَسَات تدفع بعضهم نحو الانهيار النفسي ومحاولات الانتحار.

 

وقَال صبلوح: لا تقتصر أزمة السجون على الاكتظاظ، بل تشمل سوء التغذية، إذ لم تعد الدولة قادرة على تأمين الوجبات كما كان يحصل قبل الأزمة، ما دفع إدارات السجون إلى الاعتماد على مطابخ السجن التي تقدم طعامًا رديئًا وبكميات أقل من الحد الأدنى المطلوب. 

 

أما الأخطر، بحسب صبلوح، فهو غياب الاستشفاء داخل السجون. فمع وجود 3700 سجين في رومية لا توجد أي عيادة متخصصة للحالات الطارئة، فيما يكتفي السجن بطبيب عسكري واحد يعطي مسكنات عامة وغالبًا ما يكون غائِبًا، راوِيًا سلسلة حوادث لوفاة سجناء بسبب تأخر نقلهم إلى المستشفيات.

 

وكشف أن أحد موكليه كان يحتاج إلى عملية قلب مفتوح بتكلفة 7500 دولار، وهي كلفة يفترض أن تتحملها الدولة، إلا أن أهل السجين اضطروا إلى جمع المبلغ في خلال 3 أشهر، وبعدما نجحوا في تأمينه توفي الموقوف يوم العملية نتيجة التأخير.

 

وتحدث صبلوح عن انتشار أمراض جرثومية داخل السجون، خصوصًا في رومية، في ظل غياب أطباء مختصين، ما يضطر السجناء إلى جمع المال بينهم لتأمين كشف طبي بعد أسابيع من الانتظار.

 

وأوضح أنّه سبق أن زار السجون في العام 2019 مع مجموعة من المحامين ولاحظوا أوضاعًا مزرية تتعلق بالنظافة والفرش المتآكل الذي لم يتعرض للشمس منذ سنوات.

 

وأشار إلى وفاة 3 سجناء الأسبوع الماضي، من بينهم شاب عمره 20 عامًا توفي في المبنى الاحترازي بعد نوبة صرع من دون أن يلتفت إليه أي عنصر.

 

كما استعرض قضية أسامة الجيعور، الذي قال إنه تعرض للتعذيب وانتزاع الاعترافات منه بالقوة، ثم أصيب بانهيار عصبي لم يُعَالَج، فنقل إلى المبنى الاحترازي حيث توفي لاحِقًا وسط مؤشرات واضحة على سوء التغذية والإهمال.

 

وأكد صبلوح أن هذه المآسي تتكرر في كل السجون وفي النظارات التي تحولت إلى سجون فعلية، مُجَدِّدًا دَعوَتَهُ وزراء الداخلية، العدل والدفاع إلى مرافقة فريق من المحامين للإقامة 3 أيام دَاخِلَ سجن رومية للاطلاع مباشرة على الوضع، قبل إطلاق أي خطط أو تصريحات من مكاتبهم أو قصورهم.

 

وختم: تقف السجون في لبنان على أبواب انفجار حقيقي وإن استمرار الإهمال سيحول السجناء وذويهم إلى بيئة ناقمة على الدولة.