بعد صدور تفسير هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، بناءً على طلب وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، بشأن جواز انتخاب 128 نائبًا من قبل غير المقيمين استنادًا إلى المادة 111 من قانون الانتخاب، تصاعد السجال السياسي سريعًا حول مفاعيل هذا الرأي.
فقد رفض رئيس مجلس النواب نبيه بري التفسير بشكل قاطع، معتبرًا أَنَّهُ يشكل مسًا مباشرًا بقانون نافذ وغير قابل للتأويل، فيما هاجم النائب علي حسن خليل ما صدر عن الهيئة، رافضًا التسليم بِفَرضِ أَمرٍ واقع مخالف للأُصُول القانونية.
في ظل هذا التباين الحاد، يبرز سؤال أَساسِيّ حول ما إِذَا كان الخلاف يهدد حصول الانتخابات النيابية في موعدها وما إِذا كان تقديم بري ترشيحه يشكل التزامًا بالاستحقاق أَم مُنَاوَرَة سياسية في حال اتجهت الأُمُور نحو التأجيل.
في هذا السياق، أَكَّدَ الصحافي والمحلل السياسي الدكتور داود رمال أَنَّ رأي هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل جاء ردًا على سؤال وجهه وزير الداخلية والبلديات حول كيفية الخروج من أَزمة قانون الانتخاب في ظل إِقفال مجلس النواب وإِمكان حصول الانتخابات النيابية وفق القانون النافذ من دون الذهاب إلى تعديلات قانونية أَو تعليق مواد منه.
وأَوضَحَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ مَا صدر عن الهيئة هو جواب استشاري على سؤال محدد وليس قرارًا ملزمًا، إِلَّا أَنَّ المعطيات تُشيرُ إلى أَنَّ وزير الداخلية يتجه إلى الأَخذِ بهذا الجواب والبناء عليه في الترتيبات الاجرائية الخاصة بحصول الانتخابات.
وأَشَارَ رمال إلى أَنَّ المواقف المرتفعة السقف التي صدرت عن رئيس مجلس النواب نبيه بري وعن معاونه السياسي النائب علي حسن خليل جاءت في سياق التحذير من اعتماد رأي هيئة التشريع، باعتبار أَلَّا جهة يمكنها أَنَّ تحل محل مجلس النواب في التشريع، مُعتَبِرًا أَنَّ هذا السجال يكشف بوضوح حجم الإِرباك الداخلي المرتبط بالاستحقاق النيابي.
ولَفَتَ إلى أَنَّ هذا الإِرباك ناتج عن عوامل، في مقدمتها غياب أَيّ إِشارة خارجية حتى اللحظة تشجع على حصول الانتخابات أَو تضغط في هذا الاتجاه. وقَالَ إنَّ الموفدين العرب والاجانب الذين يزورون لبنان يتناولون ملفات متعددة، لكنهم لا يركزون على مسألة الانتخابات النيابية، ما تعتبره قوى سياسية مُؤشرًا إلى عدم حماسة دولية لحصولِهَا، وربما مَيلًا ضمنِيًّا نحو تأييد التمديد.
أَضَافَ رمال إِنَّ هناك عَامِلًا آخر يرتبط بالحلول المطروحة على مستوى لبنان والمنطقة، مُشِيرًا إِلى أَنَّ التمديد الأَخير لقوات اليونيفيل ينتهي في 31 كانون الاول 2026، ما يدفع بعض التحليلات إلى اعتبار أَنَّ العام 2026 قد يكون عام الحسم في لبنان، سواء عبر تسوية سياسية هادئة أَو عبر تطورات أَكثَر سُخُونَة.
وبحسب هذا المنطق، تابع: يتساءل البعض عن جدوى حُصول الانتخابات قبل اتضاح صورة الحل، ولماذا لا يُنتَظَر لِأَيار العام 2027 لتكون الانتخابات مبنية على التسوية التي قد تنجز، بما يسمح بِإِحداث تغيير جذري في الطبقة السياسية التي تحكم منذ التسعينيات.
وقَال رمال إِنَّ من بين الأَسباب أَيضًا خشية القوى السياسية خوض الانتخابات في ظل المناخ الحالي، إِذ إِنَّ مُعظَمها غير مطمئن إلى وضعه النيابي الحقيقي، خِلَافًا لما يروج عن استطلاعات الرأي، مُعتَبِرًا أَنَّ حدثًا مفصلِيًّا زَادَ من تعقيد المشهد، تمثل في الاحتفال الحاشد بذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وما تلاه من خطاب واضح للرئيس سعد الحريري أَعلَنَ فيه العودة التدريجية إلى الحياة السياسية من بوابة الانتخابات.
وأَوضَحَ أَنَّ حُصول الانتخابات بمشاركة تيار المستقبل يختلف جذريًّا عن حصولها من دونه، إِذ أَنَّ التيار لا يعبر فقط عن وجدان شريحة واسعة من الطائفة السنية، بل يمتد تأثيره إلى وجدان وطني أَوسَع. ورَأَى أَنَّ مجرد خوض تيار المستقبل الانتخابات، حتى مُنفَرِدًا، من شأنه أَن يطيح بعدد من الوجوه السياسية التي برزت في غيابه. ووفق التقديرات، فَإِنَّ الحريري إِذا شكل لوائح من دون جهد كبير قد يحصد كتلة تتراوح بين 12 و15 نَائِبًا، فيما قد يرتفع العدد إلى ما بين 20 و25 نَائِبًا في حال أُعيد تشغيل الماكينة الانتخابية بالكامل.
واعتَبَر رمال أَنَّ عودة المستقبل من شأنها إِعادة التوازن إلى الحياة السياسية ومجلس النواب، ما يدفع بعض القوى إلى محاولة اختراع ظروف قاهرة تؤدي إلى تأجيل الانتخابات والتمديد للمجلس النيابي سنة أَو سنتين. إِلَّا أَنَّهُ أَكَّدَ أَنَّ رئيس الجمهورية يمتلك أدوات دستورية واسعة، من رد القوانين إلى توجيه رسالة إلى المجلس النيابي وُصُولًا إِلى تعليق عمله، مُشَدِّدًا على أَنَّ المعطيات تشير إِلى إِصراره على حُصولِ الانتخابات في موعدها، وأقصَى ما يُمكِن أَن يقبل به هو تأجيل تقني محدود لا يتجاوز بضعة أَشهُر.