بعد إعلان الرئيس سعد الحريري استعداد تياره لخوض الانتخابات النيابية المقبلة في حال حُصولِهَا، عاد النقاش السياسي ليتصدر المشهد حول شكل الخارطة الانتخابية المرتقبة بالنسبة إلى تيار المستقبل، لا سيما لجهة طبيعة التحالفات التي سيعتمدها التيار الأزرق والدوائر التي سيخوض فيها معركته.
ويطرح هذا الإعلان جملة من التساؤلات حول انعكاسات عودة التيار عن اعتكافه السياسي، خصوصًا في الدوائر ذات الثقل السني، وفي مقدمها دائرة بيروت الثانية التي تشكل الخزان الشعبي الأبرز للمستقبل. فهل تعيد هذه العودة رسم موازين القوى داخل البيئة السنية؟ وكيف ستتأثر التحالفات القائمة التي نشأت في ظل غياب التيار في الانتخابات السابقة؟
كما يبرز سؤال أساسي حول القوى والشخصيات التي استفادت من الفراغ الذي خلفه غياب المستقبل وما إذا كانت ستتمكن من الحفاظ على حضورها في حال قرر التيار خوض الاستحقاق بقوته التنظيمية والشعبية المعهودة أم أن عودته ستؤدي إلى إخراج بعض هذه الأسماء من المشهد الانتخابي وإعادة تموضع أخرى ضمن تحالفات جديدة تفرضها موازين القوى المستجدة.
في قراءة موسعة للمشهد الانتخابي المرتقب، أوضح الباحث محمد شمس الدين أن إعلان الرئيس سعد الحريري خوض الانتخابات النيابية المقبلة، في حال حصولِهَا، من شأنه أن يعيد رسم الخريطة السياسية في عدد من الدوائر ذات الثقل السني وأن يحدث تبدلات واضحة مقارنة بما شهدته انتخابات العام 2022.
وأَكَّدَ عَبرَ مِنصّة "بالعربي" أَنَّ الرئيس الشهيد رفيق الحريري كرس حضوره في المشهد السياسي اللبناني في خلال حياته، وتعزز هذا الحضور أكثر بعد اغتياله، مُشيرًا إلى أنه بعد مرور 21 عامًا على الاغتيال لم يظهر زعيم سني تمكن من ملء الفراغ الذي تركه الحريري، سواء في بيروت أو في الشمال أو في أي منطقة أخرى.
واعتَبَر شمس الدين أَنَّ الحريري اكتسب شرعيتين: شرعية الحضور السياسي في حياته وشرعية الاستشهاد بعد اغتياله، ما جعل موقعه في الوجدان السني والسياسي موقعًا استثنائِيًّا.
وانطلاقًا من ذلك، رَأَى أن تيار المستقبل لا يزال يشكل القوة السنية الأبرز في الشارع السني، على الرَّغمِ مِن اعتكافه في الانتخابات الماضية، مُؤكِّدًا أَنَّ حضوره يبقى مؤثرًا في 8 دوائر انتخابية من أصل 15 دائرة تضم ناخبين سنة، حيث يملك القدرة على التأثير المباشر في النتائج.
وأشار شمس الدين إلى أن غياب التيار في الانتخابات السابقة أتاح المجال لبروز شخصيات سنية جديدة، بعضها انخرط ضمن ما عرف بقوى التغيير، لاسيما في دائرة بيروت الثانية، وكذلك في بعض مناطق جبل لبنان، الشوف وإقليم الخروب.
ولفت إلى أن عودة التيار إلى خوض الانتخابات من شأنها أن تبدل جزءًا من المشهد الذي تشكل في تلك المرحلة.
وفي ما يتعلق بخيارات التحالف، شدد شمس الدين على أن السؤال الأهم لا يكمن في قدرة التيار على حصد مقاعد، إذ إن شعبيته، وفق تقديره، قد تصل إلى نحو 60% في بعض المناطق ذات الغالبية السنية مثل عكار، المنية الضنية، طرابلس وبيروت، بل في هوية القوى التي سيتحالف معها. وطرح احتمالات عِدَّة، من بينها التحالف مع حزب الله، أو مع التيار الوطني الحر، أو مع القوات اللبنانية، أو مع الزعيم وليد جنبلاط أو الاكتفاء بتحالفات مع شخصيات سنية حاضرة في المشهد.
لكنه أشار إلى أن هذا الخيار لم يحسم بعد، مُعتبرًا أن موقع التيار كقوة سنية أولى يجعله في موقع من يسعى الآخرون إلى التحالف معه، لا العكس.
وحَدَّدَ شمس الدين الدوائر التي يمكن أن يتأثر فيها المشهد الانتخابي بشكل واضح في حال مشاركة تيار المستقبل، وهي: بيروت الثانية، الشمال الأولى، الشمال الثانية، الشمال الثالثة، بعلبك الهرمل، البقاع الغربي، زحلة، صيدا جزين، الشوف وعاليه، مُؤكِّدًا أَنَّ التيار يملك كتلة ناخبة مؤثرة في هذه الدوائر، بما يسمح له بتغيير النتائج قياسًا إلى انتخابات 2022.
أما بشأن حجم الكتلة النيابية التي يمكن أن يحصدها التيار في حال خوضه الانتخابات، فأوضح أنه لا يمكن تقديم تقدير عددي مسبق، لأن النتائج تبقى رهنًا بصناديق الاقتراع وبطبيعة التحالفات في كل دائرة على حدة.
ولفت شمس الدين إلى أن خوض الانتخابات منفردًا سيؤدي على الأرجح إلى كتلة وازنة ولكن أقل مما قد تحققه التحالفات الواسعة، مُؤكدًا أن العامل الحاسم سَيَبقَى في طبيعة الاصطفافات الانتخابية وفي نسب الاقتراع.
وشَدَّدَ على أن عودة تيار المستقبل إلى السباق الانتخابي، إن حصلت، ستجعل المشهد مختلفًا في عدد من الدوائر الأساسية وأن الكلمة الفصل ستبقى للناخبين وللتحالفات التي ستتبلور مع اقتراب موعد الاستحقاق.