May 16, 2026   Beirut  °C
سياسة

من الذهب إلى العملات الرقمية… علي الأمين يكشف مسارات تمويل حزب الله

يتساءل المراقبون عن أسباب صمود حزب الله ماليا واقتصاديا على الرغم من الحصار غير المسبوق الذي يتعرض له منذ أواخر العام 2023. فالحزب واجه تضييقا على إمداداته عبر المطار والمرافئ اللبنانية، إلى جانب استهداف مراكز القرض الحسن وتشديد الرقابة على التحويلات المالية ومنع التهريب بكل أشكاله عبر الحدود الشرقية بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، فضلا عن الضغوط التي تواجهها إيران وسقوط نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، والتي كانت تشكل ساحة دعم مهمة للحزب. وقد انعكس ذلك سلبا على بيئته الحاضنة وقدراته الخدماتية.

إلا أن الحزب لا يزال قادرا على دفع رواتب مقاتليه وتمويل بعض مؤسساته، لا سيما الإعلامية منها، ما يثير تساؤلات حول وجود مصادر تمويل بديلة أو شبكات مالية تؤمن له الحد الأدنى من الصمود والاستمرارية.

وفي قراءة لأسباب هذا الصمود، اعتبر رئيس تحرير موقع جنوبية الصحافي علي الأمين أن الأمر يعود إلى تراكم شبكة واسعة من العلاقات والموارد التي بناها على مدى عقدين على الأقل، وتشمل شبكات تهريب وتجارة غير شرعية وعلاقات مرتبطة بما وصفه بـ"الدولة العميقة" في لبنان، إلى جانب شبكات خارجية مرتبطة بمحور إقليمي متكامل. وقال إن الحزب تأثر ماليا بشكل واضح، والدليل على ذلك تراجع دوره الاجتماعي والخدماتي مقارنة بالمراحل السابقة، لافتا إلى أنه كان في السابق معنيا بشكل مباشر بملفات النازحين واللاجئين وإعادة الإعمار، بينما بات اليوم يطالب الدولة اللبنانية بتأمين الإيواء والمساعدات، ما يعكس تراجع قدراته المالية بصورة كبيرة.


وأشار عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أنه لا يملك معطيات دقيقة حول مصادر الأموال الحالية، إلا أن العاملين في المجال المالي يدركون وجود وسائل عدة لتهريب الأموال وتبييضها، سواء عبر تجارة الذهب أو العملات الرقمية أو شبكات تحويل الأموال غير التقليدية، موضحا أن هذه الوسائل قد لا تكون كافية لتعويض التراجع في التمويل الإيراني، خصوصا في ظل الأوضاع الاقتصادية والحصار الذي تواجهه إيران حاليا.


وأكد الأمين أن الحزب يمر بأزمة مالية متفاقمة ستظهر تداعياتها بشكل أكبر خلال الأشهر المقبلة، لا سيما على مستوى قدرته على تلبية احتياجات مناصريه وبيئته الحاضنة، لافتا إلى أن جهده الحالي يتركز على تأمين الحد الأدنى من الرواتب والدعم للعناصر الأساسية المرتبطة بالبنية التنظيمية والعسكرية، باعتبارهم الركيزة التي يعتمد عليها في المواجهة.


وفي ما يتعلق بمؤسسة القرض الحسن، رأى الأمين أن دورها لا يقتصر على الجانب المالي المباشر، بل يتعداه إلى بناء شبكة مصالح اجتماعية واقتصادية داخل البيئة المؤيدة للحزب. وقال إن المؤسسة ساهمت في خلق نظام مالي مواز يرتبط بحياة الناس اليومية، خصوصا بعد فقدان الثقة بالقطاع المصرفي اللبناني، معتبرا أن خطورة استهدافها تكمن في إضعاف هذا الترابط الاجتماعي والاقتصادي أكثر من تأثيره المباشر على تمويل الحزب.


ولفت إلى أن الكثير من المواطنين الذين وضعوا أموالهم في "القرض الحسن" باتوا يعتبرون استقرار المؤسسة جزءا من استقرارهم الشخصي، ما خلق حالة من الترابط النفسي والاجتماعي والمصلحي بين الناس والمؤسسة.


وفي سياق متصل، اعتبر الأمين أن الأصوات الاعتراضية التي بدأت ترتفع داخل بيئة الحزب تعبر بشكل واضح عن حجم الضائقة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها هذه البيئة، موضحا أن الناس قد تتحمل تبعات الحرب إذا وجدت جهة قادرة على تعويض خسائرها وتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة، إلا أن غياب الإيواء والمساعدات الكافية، إضافة إلى غياب أي أفق واضح لنهاية الحرب أو إعادة الإعمار، دفع كثيرين إلى الشعور باليأس والخوف من المستقبل.


وختم بالإشارة إلى أن بعض المواطنين بدأوا يعبرون علنا عن اعتراضهم على استمرار الحرب، بعدما تزايدت القناعة لدى شريحة منهم بأنها لا تؤدي إلى مكاسب حقيقية، بل إلى مزيد من الخسائر والأعباء الاقتصادية والاجتماعية.


في ضوء ما تقدم، وعلى الرغم من الضائقة المالية والاقتصادية التي يعيشها حزب الله، لا يزال الحزب قادرا إلى حد كبير على إقناع جزء وازن من بيئته الحاضنة بأنه لا يزال يمتلك القدرة على الصمود والمواجهة. إلا أن هذا الخطاب، بحسب مراقبين، يخفي وراءه أزمة متفاقمة، فيما يقود إصرار الحزب على مواصلة نهجه التصعيدي وتسلطه على بيئته إلى دفعها نحو مزيد من الغموض والقلق، وسط غياب أي أفق واضح لما قد تحمله المرحلة المقبلة.