في وقتٍ تتجه فيه الأنظار إلى جولات التفاوض المرتقبة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، لا تبدو الأجواء السياسية والعسكرية مؤشرًا إلى قرب الوصول لمرحلة تهدئة حقيقية. فالميدان لا يزال مشتعلًا على وقع الاستهدافات والعمليات العسكرية المتواصلة، فيما ترتفع حدة الخطاب الإسرائيلي بشكلٍ يعكس تمسك تل أبيب بخيار الضغط العسكري بالتوازي مع أي مسار تفاوضي. وقد جاء تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن الحرب مع لبنان لن تنتهي حتى لو انتهت المواجهة مع إيران، ليؤكد أن إسرائيل لا تزال تنظر إلى الجبهة اللبنانية باعتبارها جزءًا أساسيًا من مشروعها الأمني والعسكري في المنطقة، بعيدًا عن أي مؤشرات جدية على وقف شامل لإطلاق النار.
في المقابل، تراهن الدولة اللبنانية على المسار التفاوضي لانتزاع تهدئة توقف النزيف اليومي وتخفف من حدة التصعيد، خصوصًا بعدما وعد رئيس الوفد المفاوض السفير السابق سيمون كرم رئيس الجمهورية جوزاف عون بأن تكون أولوية أي مفاوضات مقبلة مع إسرائيل هي التوصل إلى وقف إطلاق النار. إلا أن هذا الرهان يصطدم بجملة من التعقيدات السياسية والميدانية، في ظل استمرار إسرائيل في اعتماد سياسة "التفاوض تحت النار"، ومحاولة فرض وقائع جديدة على الأرض بالتوازي مع الضغوط العسكرية.
وبين التصعيد الإسرائيلي والانقسام الداخلي اللبناني حول جدوى المفاوضات المباشرة، تتصاعد المخاوف من أن يتحول هذا المسار إلى مجرد إدارة للأزمة بدل أن يكون مدخلًا فعليًا لإنهاء الحرب. كما تبرز تساؤلات متزايدة حول قدرة لبنان على خوض مفاوضات متوازنة في ظل اختلال موازين القوى، واستمرار الضغوط الإقليمية والدولية، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، تبدأ باستمرار الاستنزاف العسكري ولا تنتهي عند حدود التسويات السياسية المعقدة.
غير أن هذا المسار يبدو أنه يصطدم بواقعٍ ميداني ضاغط، إذ تذهب إسرائيل إلى أي مفاوضات فيما تواصل عملياتها العسكرية وتُبقي لبنان تحت ضغط النار، ما يطرح تساؤلات حول مدى جدوى هذا التوجّه التفاوضي، وإمكان أن يقود فعلًا إلى وقف إطلاق نار، أم أنه مجرد إدارة مؤقتة للصراع بانتظار تطورات الميدان والسياسة.
في هذا الإطار، أكّد الصحافي والكاتب السياسي غسان جواد أن هناك نية إسرائيلية لاستمرار الحرب على لبنان وتحقيق أكبر قدر من المكاسب في مواجهة المقاومة وحزب الله، معتبرًا أن ذلك يعكس حقيقة النوايا الإسرائيلية تجاه لبنان، وهي نوايا معادية لمصالحه.
واعتبر، عبر منصّة "بالعربي"، أن تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعكس حقيقة المشروع الإسرائيلي في لبنان، القائم على مشروع احتلال وإنشاء منطقة عازلة ومحاولة قضم جزء من الأراضي اللبنانية، وهو ما يفترض أن يشكّل مسألة خطيرة بالنسبة إلى جميع اللبنانيين.
وأشار جواد إلى أنه من المفترض أن تكون الأولوية لوقف إطلاق النار، إلا أن إسرائيل، رغم ذهاب الدولة اللبنانية إلى التفاوض المباشر في ظل انقسامٍ داخلي حول هذا الخيار، لم تلتزم بهذه الخطوة، واستمرت في الاعتداءات والاستهدافات، ما يعكس رغبتها في إنشاء منطقة عازلة.
وأضاف أن مسار المفاوضات المباشرة لن يكون منتجًا في ظل هذا السلوك الإسرائيلي والانقسام اللبناني، داعيًا إلى توحيد الموقف اللبناني وجمع أوراق القوة قبل الذهاب إلى طاولة المفاوضات. كما لفت إلى أن لبنان قدّم الكثير من التنازلات من دون أي خطوة إيجابية من الجانب الإسرائيلي، ما يجعل هذا المسار غير واقعي وغير منتج، ويستفيد منه الجانب الإسرائيلي لتقديم نفسه أمام المجتمع الدولي بأنه يقاتل فصيلًا مساحا من جهة، ويسعى إلى التفاوض مع الدولة من جهة أخرى.
ولفت إلى أن إسرائيل تعتمد منطق التفاوض تحت النار ومحاولة فرض شروطها، إضافةً إلى محاولة تقسيم اللبنانيين، مشيرًا إلى أنها لم تقدم أي ورقة للدولة اللبنانية رغم كل الطروحات اللبنانية، ما يتناقض مع مفهوم التفاوض المتوازن بين دولتين. واعتبر أن المشكلة تكمن في أن لبنان يذهب إلى هذا المسار من دون امتلاك كل أوراق القوة، ومن ضمنها مسألة التكامل بين الدولة وحزب الله، وحالة التوحّد حول الموقف السياسي والتفاوضي.
وختم بالقول إن المرحلة المقبلة مرشحة لأن يستغل بنيامين نتنياهو حالة الجمود في المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية لتصعيدٍ عسكري في لبنان، مشيرًا إلى تصريح رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير بشأن توسيع العمليات والاستهدافات. واعتبر أن ذلك لن يؤدي بالضرورة إلى حرب شاملة، بل إلى مرحلة استنزاف طويلة ضمن حالة "لا حرب ولا سلم".
في المحصلة، وبانتظار ما ستؤول إليه الجولة الثالثة من المفاوضات، ومع استمرار التصعيد الإسرائيلي من جهة، والحديث عن أولوية وقف إطلاق النار من جهة أخرى، تبدو المرحلة المقبلة رهينة تطورات الميدان ومسار السياسة معًا، ما يطرح تساؤلًا حول ما إذا كانت هذه المفاوضات ستنجح في كسر دائرة التصعيد، أم أنها ستبقى ضمن إطار إدارة الأزمة من دون حلولٍ حاسمة.